صدر كتاب «مفهوم الفزع» للكاتب الدنماركي «سورن كيركغورد» في 17 يونيو عام 1844. في خريف عام 1843 كتب كيركغورد في المسودة، موضحا: «في غياب المهمة الهائلة المتمثلة في فهم جميع البشر، فقد اختار ما يرغب المرء في تسميته صبيانية وحماقة، لفهم نفسه - وجهة نظر يتم الحفاظ عليها في النسخة النهائية من المقدمة - حيث يصف المؤلف نفسه بأنه سليل الذي لم يسبق له مثيل في العالم، ولم يقم سوى برحلة داخلية داخل وعيه». وكان كيركغورد قد اختار في البداية، أن يضع اسمه على مسودة الكتاب، إلاّ أنه غيّر رأيه ووضع بدلا من ذلك اسما مستعارا.

الكوبنهاجي اليقظ

أخيرا صدرت عن دار الرافدين في بيروت وبغداد النسخة العربية «مفهوم الفزع تمرين سيكولوجي أوّلي في ضوء القضية الدوغمائية حول الخطيئة» ترجمه عن الدانماركية وقدَّمه «قحطان جاسم».أما الاسم المستعار الذي اختاره كيركغورد فهو «فيجيليوس هاوفنينسس»، الذي يعني بالدانماركية «الكوبنهاجي اليقظ»، أي هذا الذي يراقب بانتباه ما يحيط به في كوبنهاجن. أهميته تنبع من مراقبة أفعال الناس وطريقة تصرفاتهم وكيف يواجهون الفزع. وهكذا صدر الكتاب باسم مستعار أسوة بالكتب التي صدرت تحت أسماء مستعارة متنوعة في الفترة نفسها. وقد أعطى كيركغورد أهمية للاسم المستعار في كتبه، إلى درجة أنه طالب الذين يتناولون كتبه بأسماء مستعارة ألا يشيروا إلى اسمه، بل إلى الاسم المستعار. وعلق في إحدى أوراقه عن ماذا يعني الاسم المستعار لديه؟ فقال: «الاسم المستعار أمر ممتاز لإبراز نقطة، موقف، وضع. إنه يخلق شخصية شعرية.. وكل مؤلف مستعار هو تمثيل مثالي لوجهة نظر معينة في الحياة».

الخطيئة الأصلية

يعالج الكتاب - المكون من خمسة فصول- بعمق مفهوم الفزع من وجهة نظر فلسفية، باعتبارها ظاهرة وجودية تنفتح على فهم سيكولوجي للإنسان، حيث يقوم بربط مجالي علم الدوغما (العقائد)، وعلم النفس مع بعضهما، لإضاءة ثيمات مختلفة تدور حول الخطيئة الأصلية للإنسان، ثم اختيار الإنسان لحريته والفزع الذي يرافق الإثنين أو يسبقهما، وأخيرا كيفية غفران خطيئة الإنسان. وكيف يمكن للإنسان أن يتخلص من الخطيئة عبر الإيمان ومحبة الله؟ ويتعلق السؤال الذي تتفرع منه كل الأسئلة الأخرى: من هو الإنسان؟ وماذا يعني أن تكون إنسانا. ويعتبر المؤلف الخطيئة عنصرا أساسيا يمكن تفسيره دينيا، وعلى الرغم من أن الكتاب يحمل عنوان الفزع كثيمة رئيسة له، فإنه يشير في عنوان فرعي له بأنه: بحث سيكولوجي باتجاه قضية عقائدية حول الخطيئة الأصلية، أي أنه يعالج قضية سيكولوجية تتعلق بالإنسان عموما وبنشاطه الوجودي، وما يواجهه من فزع وعدم استقرار في حياته.

أثر كيركغورد

يشير المترجم إلى أن العديد من الفلاسفة، الذين جاؤوا بعد كيركغورد، من كتاب مفهوم الفزع، وخص بالذكر، هنا، الفيسلوف الألماني مارتن هايدغر، وخاصة في كتابه «الوجود والزمن». كما أنه هيأ الطريق، بفترة طويلة قبل سيغموند فرويد، لعلم النفس، في معالجة ومناقشة واحدة من القضايا التي تشغل الإنسان، ويعني بها فزعه الدائم وعدم استقراره من شيء قد يكون في داخله أصلا، متخذا من أطروحة الخطيئة التي طرحتها الأديان أو الأساطير منطلقا لفهم هذا الفزع، حيث ورد مفهوم الخطيئة الأصلية في الأساطير والأديان التوحيدية الثلاث.

الفزع غير الخوف

سعى المؤلف لتقديم تعريف وشرح موجز للعنوان الذي تتم ترجمته عادة إلى «مفهوم القلق»، حيث يميز في ثنايا الكتاب بين مفهومي الخوف والفزع. فالفزع هو شيء مختلف تماما عن الخوف. إذ إن موضوع الخوف هو شيء محدد أي أنه مجرد خطر ملموس وخارجي، بينما موضوع الفزع هو العدم (اللاشيء)، أي شيء غير معروف وغير محدد. وهذا اللامحدود وغير المحدد هو بحد ذاته تذكير بأن الإنسان هو مخلوق «روحي»، أو بالأحرى هو ذات. أو كما يشير كيركغورد إلى أن «الفزع يختلف كليا عن الخوف ومفاهيم أخرى مشابهة توحي بشيء محدد، فالفزع هو واقع الحرية كإمكانية الإمكانية. لهذا السبب لا يوجد الفزع في الحيوان، لأن الحيوان بالذات لا يوصف بطبيعته كروح. وهكذا بينما يعيش الحيوان كما يبدو في تجانس مع طبيعته دون أن يفكر أنه يفعل خيرا أو شرا، فإن الإنسان بالمقابل، لا يعيش في تجانس طبيعي مع حاجته، حيث يطور منذ الطفولة القدرة على التمييز بين الخير والشر، ومعها القدرة على حرية الاختيار».

سورن كيركغورد

- فيلسوف دنماركي، ولاهوتي، وشاعر، وناقد اجتماعي

- ولد في كوبنهاغن «1813 - 1855»

- يُعتبر على نطاق واسع أول فيلسوف وجودي

- كتب نصوصاً نقدية حول الدين، والأخلاق، وعلم النفس، وفلسفة الدين

- تتعامل أعماله الفلسفية مع القضايا التي تناقش كيف يعيش المرء «كفرد منفرد»

- كان ضد نقاد الأدب الذين حددوا المثقفين والفلاسفة المثاليين في عصره

المترجم

قحطان جاسم

‏- شاعر ومترجم وباحث في علم الاجتماع السياسي، ولد بالعراق عام 1952

- ‏تخرج من معهد الصحة العالي - قسم الأشعة في بغداد. ‏

- نشر أول نصوصه عام 1977

- ساهم بإصدار مجلة «الموقف الثقافي» في سورية عام 1985

- ساهم في تحرير صحيفة «سافو» الدنماركية. ‏

- هروب من العراق عام 1983

- درس العلوم السياسية في جامعة كوبنهاجن

- قدم رسالته للماجستير في علوم الدولة والعلاقات الدولية 1998 «الإسلام والسياسة في إيران - من الشاه إلى رفسنجاني»

- حصل على الماجستير الثانية في العولمة والاندماج 2005

- أنهى الدكتوراه حول «الحركة الإسلامية في مصر في خمسين عاما، طبقا لنظرية الحركات الاجتماعية» 2010

- يتقن ويترجم عن الإنجليزية والدنماركية والنرويجية

من نتاجه الفكري والأدبي: ‏

- الثورة النظرية والتطبيق 1990 ‏

- نظرة في تاريخ العراق السياسي الحديث 1992 ‏

- رؤى في مملكة الغياب/ ديوان شعر 1992 ‏

- تجليات العزلة/ ديوان شعر 2010 ‏

- مختارات من الشعر الدنماركي المعاصر/ترجمة 2015 ‏

ترجمات:

- سورن كيركغورد «في نقد الفكر الديني» 2015 ‏

- فريدريك نيتشه «شوبنهاور مربياً» 2016 ‏

- رواية پان من أوراق الملازم توماس غلان