في إحدى الصيدليات والتي هي نسخة مكررة من %99 من صيدلياتنا، ذهبت لقسم معاجين الأسنان، ووجدت %70 منها لشركة واحدة متربعة على عرش الحصة السوقية هناك، وقلت في نفسي بالتأكيد إن هذه الشركة لم تسيطر إلا بجودة منتجاتها، فنسيت الـ%30 المتبقية، وبدأت أتنقل بين هذه المجموعة من هذه الشركة الواحدة، وكانت تفوق الـ15 نوعا، فمنها ما هو للأسنان الحساسة، وما هو للأسنان الخجولة، وما هو للأسنان التي أكلت بها وجبة طبختها زوجتك، وما هو للوجبة التي طبختها حماتك، وما هو معجون للجو الغائم، وما هو للأسنان بعد مباراة النصر والهلال. هذا ليس سخرية، بقدر ما أن الشركات بدأت تعتمد على مبدأ eat yourself before somebody eats you، وهي فكرة تسويقية تعتمد على إغراق السوق بعدة أصناف من منتجاتها، وتعني «كل نفسك قبل أن يأكلك الآخرون»، فالحصة السوقية، إن كانت لشركة بعينها ودخل منافس آخر، فهذا يعني أنها قد تخسر نصف الحصة، فحتى لا تخسر إلا ثلثها تطرح منتجا آخر من شركتها ليدخل شريكا في الحصة السوقية مع منتجها الأول ومنتج المنافس، وبهذا أكلت ثلثي السوق.

المهم، وبالعودة لهذه الشركة التي أكلت سوق معاجين الأسنان، وبعد أن أمضيت وقتي وأنا أصول وأجول بين العبوات الذهبية والفضية والألماسية، وكأنها صالات بنكية وليست عبوات لمعاجين، أمسك بيدي أحدهم وقال ما الذي يحيرك لتجلس كل هذه المدة، فقلت له إنني من لو تعرف الشركات ما لدي من المقومات لفحص منتجاتها وتقييمها لقامت بتوصيلها لي مجانا و«فوقها حبة خشم بعد»، لذا فطبيعتي ألا آخذ شيئا إلا وقد عرفت كل خفاياه، حتى لا أكون ضحية للخفايا التسويقية، فرد علي «تراك أشغلتنا» يا المتسوق الذكي، «أنت وش جالس تشتري» فأجبته (معجون أسنان) فآخذ منتجات هذه الشركة كلها الـ«مكسرة السوق»، وقال لي بما إنك «سداح» فهل وجدت كلمة (معجون أسنان) على أي علبة لكل هذه المنتجات التي أمامك.

وبالفعل بحثت عن هذه الكلمة بعيني المجردة ثم بالتليسكوب ثم بالميكروسكوب ولم أجدها، فجلست أقضم أظافري في حالة نفسية صعبة، ولسان حالي يقول «أووومال طول هذا الوقت وش كنت أشتري» واكتشتف أنني أشتري (مبيض أسنان)، وليس (معجون أسنان)، أي أنه لا يحتوي على المواد التي تفيد صحة الفم والأسنان بقدر ما تحتوي مواد تجعلك وكأنك مقدم برامج تلفزيونية في قناة خليجية، أسنانك تشع بياضا.

السؤال هنا: ما دام أنه هذه شركة لها عشرات السنين، وهي تدخل كل بيوتنا تقريبا، واستطاعت خداعنا بكلمة بسيطة تحميها من التبعات القانونية، وتزيد من أرصدتها وحصصها السوقية، ونحن الضحية، فالسؤال لوزارة التجارة التي حصلت على ثاني أفضل وزارة عربية، لماذا لم نكن نعلم بذلك، ولماذا لم يتم توعيتنا بهذه التفاصيل، بل وأين وزارة الصحة؟ خصوصا وأن صحة الفم والأسنان تهمها في المقام الأول، وكم من شركة ما زالت تخفي عنا حقيقة منتجاتها، كما كانت شركات الألبان تكتب قشطة حتى أجبرت على كتابة شبيهة القشطة، فهل ستخرج لنا وزارة التجارة بالتوعية والتثفيف الحقيقي يوما ما، كما ثقفني ووعاني هذا الزبون بكلمة «هل وجدت كلمة معجون أسنان؟».