وبين تقرير لمؤسسة التراث الأمريكية أنه بعد ضرب السفارة الأمريكية في بغداد بـ21 صاروخا من قاذفة صواريخ كاتيوشا في 21 ديسمبر الماضي، وانتهاك وقف إطلاق النار الذي ترعاه إيران في العراق للمرة الثانية، واعتقال قوات الأمن العراقية في 26 ديسمبر الماضي عضو التنظيم السياسي والعسكري العراقي لعصائب أهل الحق حسام الزيرجاوي لتورطه في هجوم، وانتشار مقاطع متعددة على وسائل التواصل الاجتماعي يظهر فيها تجنيد لمقاتلي عصائب أهل الحق في شرق بغداد، وفي أخرى يهددون بمهاجمة قوات الأمن العراقية بأمر من قائد عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، بات الخلاف في العلن تقريبا وبصورة متزايدة.
مؤشرات الانقسام
الهجوم الصاروخي بالكاتيوشا على السفارة الأمريكية شكل مثالا على الخلاف الواضح المتزايد بين عصائب أهل الحق بقيادة الخزعلي من جهة وإيران وكتائب حزب الله من جهة أخرى، فقد اقتُرح في أكتوبر 2020، وقف إطلاق النار برعاية إيران وكتائب حزب الله، وقفا مشروطا للعمليات التي تستهدف الأصول الأمريكية.
بعد ذلك بشهر أطلقت أصغر ميليشيا «أصحاب الكهف» 8 صواريخ على السفارة الأمريكية في 17 نوفمبر 2020 في أول انتهاك، عقب ذلك أعلن الخزعلي انتهاء وقف إطلاق النار، وأدانت كتائب حزب الله الانتهاك وزعموا أنه بمثابة هجوم مخطط له لصرف الانتباه عن خسارة ترمب الأخيرة في الانتخابات.
خلاف في العلن
في 24 نوفمبر، أرسلت إيران قائد فيلق القدس بالحرس الثوري إسماعيل قآني- الذي خَلف قاسم سليماني- إلى العراق للحث على الامتثال لوقف إطلاق النار، وندد الخزعلي علناً بزيارة قآني، مدعياً أن «مقاومة الاحتلال الأمريكي مشروع قومي عراقي دون الحاجة إلى تدخل إيراني»، بينما لم تقبل عصائب أهل الحق مطلقا المسؤولية عن أي هجمات لاحقة تستهدف الأصول الأمريكية، وأوضح الخزعلي دعمه مجموعات مقاومة أخرى أصغر حجماً ومتميزة يزعم أنها استهدفت الأصول الأمريكية، مثل عصائب أصحاب الكهف.
يد في التشكيل
حاولت إيران تجنيد السكان الشيعة العراقيين منذ الثمانينيات لحماية مصالحها في العراق، وأقدمها فيلق بدر، وأنشأ الحرس الثوري الإيراني عصائب أهل الحق عام 2006 بتجنيد الخزعلي، الذي قاد لواء جيش المهدي العسكري، وهو ميليشيا شكلها «مقتدى الصدر» عام 2003 لمحاربة الاحتلال الأمريكي، واستغلت إيران شعور الخزعلي بالإحباط من قيادة الصدر بتقديم تمويل للحرس الثوري الإيراني، وتدريب للخزعلي لتشكيل عصائب أهل الحق لإضعاف الصدر، الذي كان مترددا في تسليم نفوذه لإيران.
ولسابق انقسام عصائب أهل الحق أنشأ الحرس الثوري الإيراني ميليشيا أصغر بتوجيه من قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس كتائب حزب الله، مما سمح بسيطرة كبيرة على وحدات الحشد الشعبي، وهي منظمة أمن الدولة العراقية وتضم غالبية الميليشيات في البلاد.
تخفيف السيطرة
تفاجأت إيران من رفض عصائب أهل الحق وتمردها على المصالح الإيرانية، فكلا الهجومين الصاروخيين على السفارة الأمريكية، إما مرتبطان بشكل مباشر، أو تم التغاضي عنه ضمنيا من قبل عصائب أهل الحق، ويهدفان إلى إرباك نظام الدفاع C-RAM الخاص بالسفارة.
هناك عاملان متشابكان آخران وراء تخفيف قبضة إيران على عصائب أهل الحق هما: اغتيال سليماني والمهندس في يناير 2020، وصعود «ميليشيات الظل».
وتسعى إيران إلى أن يكون لها مجموعة متنوعة من الميليشيات مقارنة بإستراتيجيتها في لبنان، والذي تعتمد إيران فيه على جماعة مهيمنة، فهي مرهونة بقدرة حزب الله على الصمود، لذلك فإن تنوع إستراتيجية العراق يتطلب تنسيقا قويا بين عدد من الميليشيات المتحالفة مع إيران لضمان الطاعة والتماسك ضمن خط حزبي شامل واحد.
كما أثبت الاغتيال حدوث تحول مارسه سليماني منذ عام 2019 وتضمن إنشاء عدد من الميليشيات المنشقة لتنفيذ هجمات باستخدام «ميليشيات الظل»، حيث ظهرت عشرات الجماعات مثل عصائب أصحاب الكهف وسرايات قاسم الجبارين من العدم لتبني المسؤولية عن الهجمات التي تستهدف الأصول الأمريكية، لتعقيد الانتقام الأمريكي ما أوجد إمكانية إنكار مقبول للميليشيات الأكثر رسوخا مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، مما أدى إلى تخفيف هيمنة إيران على المقاومة العراقية للوجود العسكري الأمريكي.
مناورة الخزعلي
تخفيف سيطرة إيران سمح للخزعلي بإعادة التفكير في علاقته بإيران، لأنه ناشط براغماتي يسعى للحفاظ على سلطته وتأثيره مقارنة بالعقيدة الإيديولوجية، فقد أدار ظهره لرجال الدين الصدريين الذين درس تحت حكمهم لعقد من الزمان وتبنى أيديولوجية ولاية الفقيه الخمينية الإيرانية- أيديولوجية طهران الحاكمة- ثم وافق على بعض مصادر تمويل عصائب أهل الحق الحالية، والتي تعتمد على فرض الضرائب على الأنشطة الإجرامية (الدعارة) والشركات (متاجر الخمور والنوادي الليلية).
وأكد الخزعلي أنه في حالة الانسحاب الأمريكي الدائم من العراق، فلن يكون هناك أي مبرر لوجود جماعات المقاومة المسلحة، ومع اقتراب الانسحاب الأمريكي يستعد الخزعلي لتأمين مكانة عصائب أهل الحق من خلال تحويلها إلى جماعة سياسية وفي وقت الانسحاب الأمريكي الأولي، احتاجت عصائب أهل الحق إلى نفوذ إيراني لدى الحكومة العراقية للسماح لعصائب أهل الحق بالعمل كحزب سياسي لديه الأموال اللازمة لإنشاء مكاتب سياسية تحت اسم عصائب أهل الحق.
في عام 2021، لم تعد عصائب أهل الحق بحاجة إلى الدعم الإيراني لأن موقع المنظمة في العراق قد تم تحديده بالفعل، حيث يشغل جناحها السياسي حاليا 15 مقعدا في البرلمان، وعدد من المناصب الحكومية تحت سيطرتها، وحتى قناتها التلفزيونية المخصصة.