«العيش الكريم».. إشكالية البشرية الأزلية تكمن في هذه العبارة. فأي عيش هذا؟ أتراه العيش الذي تحض عليه الأديان السماوية، في مجتمع تعد أفراده بالنعيم، وتنذر المارقين عنه بالنار؟ أم تراه العيش الذي يبشر به الذين تسنى لهم وحدهم رؤية الضوء المنبعث في نهاية النفق ؟ وهل ثمة ما يضمن أصلا إمكانية أن يمارس البشر حقهم في مثل ذلك العيش؟ أم أن ثمة استحالة - عملية في أسوأ الأحوال ونظرية في أفضلها - تحول دون ممارسته وتعمل على سلبه من حيث المبدأ؟ هل ثمة أمل في إصلاح شأن الإنسان، هذا المخلوق المشاكس الذي يبدو أنه جبل على الخطل. كومة من الأسئلة يطرحها إزيا برلن في «ضلع الإنسانية الأعوج»، الكتاب الذي يغوص في تاريخ الأفكار البشرية.

بحوث مستقلة

«ضلع الإنسانية الأعوج» كتاب يتحدّث عن تاريخ الأفكار، ويجادل فيه برلن عمق على نحو مشبوب بالعاطفة عما يصفه بالخير الأعظم للطموح البشري «الحرية، والعدالة، والمساواة». الكتاب الذي ترجمه الأكاديميان الليبيان نجيب الحصادي أستاذ الفلسفة والعلوم والمنطق ومحمد زاهي المغيربي أستاذ العلوم السياسية والاقتصاد، وحرره هنري هاردي المختص في نتاج برلن جمعًا وتحقيقًا وإصدارًا، يتكون من ثمانية فصول، كل فصل هو بمثابة بحث مستقل، وجاءت الفصول الثمانية تحت عناوين: السعي وراء المثل الأعلى، وانحسار الأفكار الطوباوية في الغرب، وجيمباتيستا فيكو والتاريخ الثقافي، والنسبية المزعومة في فكر القرن الثامن عشر الأوروبي، والوحدة الأوروبية وتقلباتها، وتمجيد الإرادة الرومانسية، والأملود الأعوج: في بزوغ القومية.

البحث عن أجوبة

الكتاب الذي صيغ بلغة أدبية في الكثير من فقراته، يتحدّث عن القيم وعن إمكانية تحقيقها، وعن حق الإنسان وقيمته الأعلى، التي يجب أن تسخّر كل الظروف للرفع منها، من هذه القيم، حقه في الحياة التي يؤثر عيشها، وحقه في أن يرتئي ما يرتئي، وحقه في الإبداع والخلق والتمرد على الأطر الجاهزة، وفوق ذلك حقه في العيش الكريم.

كما يتناول الكتاب نهج الروائيين الروس في القرن التاسع عشر في تطلعهم إلى عالم مثالي يخلو من العنف والجور، ويعيش أهلوه في حالة تجانس تام. ويلفت برلن إلى أن بعض الروائيين الروس، تولستوي مثلاً، عثر على اليوتوبيا التي يبشر بها في رؤى أناس بسطاء لم تلوثهم مؤسّسات الحضارة الزائفة. بعض آخر منهم ذهب إلى أنه بالمقدور إنقاذ العالم لو تمكّن البشر فحسب من رؤية الحقيقة الجاثمة تحت أقدامهم، لو أنهم أخلصوا للأناجيل المسيحية. أو أي نصوص مقدسة أخرى، في حين وضع بعض ثالث ثقته كاملة في العقلانية العلمية. أو في الثورة الاجتماعية والسياسية، في حين بحثت طائفة رابعة عن أجوبة في مختلف أساليب اللاهوت الأرثودوكسي، الديمقراطية الليبرالية الغربية، أو في العودة للقيم السلافية القديمة.

إشكاليات مركزية

يستغرق برلن في تاريخ البشرية، ذاهبًا إلى أن التشوف إلى عالم أفضل لم يكن حكرًا على الروائيين الروس ففكرة المجتمع الكامل حلم داعب خيالات المفكرين منذ القدم، غالبًا بسبب أدواء الحاضر التي تجعل البشر يتصورون كيف يكون العالم في غيابها. وطالما توفر قدرًا كافيًا من الحماسة، فإن الاعتقاد في وجود حلول للإشكاليات المركزية وفي إمكان اكتشافها وتحقيقها عيانًا على وجه الأرض سمات قارة يتميز بها التاريخ البشري بأسره، الغربي على وجه الخصوص، أو هكذا يزعم برلن، الذي يحذر في كتابه من حقوق الإنسان، المتجذّرة في معنى كونه إنسانًا، حرية البشر بوصفهم أفرادًا ذوي إرادات ومشاعر وعقائد ومثل وأنماط حياة خاصة، قد ضاعت في غمرة حسابات العولمة والتقديرات الهائلة التي ترشد برامج مخططي السياسات ومنفذي العمليات العملاقة.

مرجعية العنوان

عنوان الكتاب مستقى وفقًا لاقتراح محرره من صياغة برلن المفضلة لاقتباسه الأثير لمقالة «كانط» «من ضلع معوج عوج الضلع الذي خلق منه الإنسان، لم يسبق أن نشأ شئ قويم تمامًا». لقد كان برلن ينسب دوما هذه الترجمة إلى ر.ج كولنجوود، غير أنه اتضح أنه تصرف في ترجمته، لا يظهر الاقتباس في أعمال كولنجوود المنشورة بيد أن هناك محاضرة غير منشورة في فلسفة التاريخ، ترجع إلى عام 1929، تظهر فيها الصياغة التالية: «من ضلع الإنسان مستعرض التجذع، ليس بالمقدور أن ينشأ شئ قويم تمامًا». من المرجح أن برلن قد حضر المحاضرة وأعجب بالنص، ثم اختمر في ذاكرته.

إزيا برلن

- ولد في ريجا عاصمة لاتفيا 1909

- انتقلت أسرته إلى بتروجراد بروسيا

- شهد عام 1917 الثورتين

- الديمقراطية الاشتراكية والبلشفية

- عام 1921 انتقل إلى إنجلترا

- تلقى تعليمه في إنجلترا وبزغ نجمه حيث صار رئيسًا للأكاديمية البريطانية

- تحصّل على عدة جوائز بوصفه مؤرخًا وشارحًا للأفكار ومدافعًا عن الحريات المدنية

- ترجم بعض أعمال أيفان تورجينيف من الروسية إلى الإنجليزية.

- أستاذ للنظرية السياسية والاجتماعية في جامعة أوكسفورد.

- رأس المجتمع الأرسطي من عام 1963 إلى عام 1964.

- في عام 1966، لعب دورًا في تأسيس كلية ولفسون بجامعة أوكسفورد وأصبح أول رؤسائها.

- منح رتبة نبيل عام 1957 وتقلد وسام الاستحقاق عام 1971.

- رأس الأكاديمية البريطانية من عام 1974 إلى عام 1978.

- نال جائزة القدس عام 1979 لكتاباته عن الحرية الفردية.

- توفي عام 1997.

وصفته ذي إندبندنت:

- أفضل متحدثي العالم

- أكثر قارئي العقد إلهامًا

- أفضل عقول هذا الزمن