كنا نقرأ قبل أكثر من عقد عن مصطلح (العولمة) وأن من مقتضياته انتهاء مفهوم (السيادة) القديم للدول، وارتفاع هيمنة النظام الرأسمالي إلى أعلى ذروة له عبر (الشركات عابرة القارات)، كنا نقرأ ونلمح هذا على المستوى النظري، غير أن المواطن العربي كفرد عادي قد فهم هذا الدرس النظري قبل أن يتحول إلى مصطلح تتداوله المؤتمرات والندوات الفكرية، فمنذ الستينات وانجراف المواطن العربي مع بروباغندا (أحمد سعيد) في دقات ساعة جامعة القاهرة عبر (صوت العرب ينادي أمة العرب من قلب العروبة النابض من القاهرة... هذا صوت العرب الناطق بلسانكم، المكافح من أجلكم المعبر عن وحدتكم، نوافيكم به من قلب الأمة العربية المجيدة.. من القاهرة) لتأتي النكسة/‏الهزيمة فيفيق المواطن العربي ليدرك أن ثمن تفريطه بالمصداقية على حساب البروباغندا الرغبوية في شعارات القومية، قد طعن كبرياءه بشكل جعله يتجاوز كل الإذاعات العربية لتراه يعيد ترتيب أولوياته في الخبر الإعلامي فيرتبط بدقات ساعة الـ«بق بن» من لندن لسماع موجز الأخبار مع (ماجد سرحان يحييكم من لندن).

لكن بقيت وزارات الإعلام في بعض دول العالم الثالث متمسكة بفضاء الأخبار التقليدي متناسية أو متجاهلة أو غافلة عن حقيقة الارتباط بإذاعة لندن كمصدر موثوق للأخبار، كل هذا تم تجاهله على اعتبار أن التلفاز طغى على وجود الراديو وكأن الشعوب بلا ذاكرة، ولهذا تفاجأت بعض الدول عام 1991 عند احتلال الكويت زيادة المبيعات عن حدها الطبيعي لأجهزة الراديو بمختلف أنواعها، متجاهلين كل ما يقدمه التلفزيون الرسمي لدولهم. لتأتي القنوات الفضائية ويتعرف المواطن العربي على (الدش/‏اللاقط الفضائي) وتبدأ المعركة التقليدية ما بين فتاوى التحريم - التي لا قيمة لها أمام مد التطور التقني - وبين الواقع الحداثي الذي يعيشه العالم - كل العالم - ويكفي أن نتخيل بلدا حتى هذا التاريخ يمنع وجود الدش، سنجد أن من لوازم ذلك منع الجوالات الرقمية... إلخ من ظواهر لن تجدها حتى في أشد الدول تخلفا على جميع المستويات.

ما فات المواطن العربي في معنى (العولمة) هو سيطرة (الشركات عابرة القارات) وتغولها على الدول خصوصا الدول التي ترمز للنظام الرأسمالي، ولمن لم يلاحظ فالرمز السياسي لأمريكا كدولة يكمن في رئيسها، ورغم ذلك فإن (تويتر) بصفتها شركة رأسمالية حجبت حساب ترمب (رئيس الولايات المتحدة الأمريكية)، ومنعته من (التغريد) مع حفظ حقه كرئيس لأمريكا أن يقوم بعقد مؤتمر تلفزيوني ليقول فيه ما يشاء، لكن السرعة والمباشرة في مخاطبة التابعين بعيدا عن إحراجات الصحفيين لن يجدها إلا في تويتر الموقوف عن استخدامه.

المخيف طبعا أن دول أوروبا تحاول كبح جماح هذه الشركات بفرض أنظمة خاصة بها تتكئ على حقوق الإنسان، كضابط لتوحش النظام الرأسمالي، بينما الصين تحاول إعادة تأهيل الاشتراكية التي تجعل شركة هواوي ليست سوى ذراع اقتصادية بيد أمين الحزب الشيوعي الصيني، ولكن هل تستطيع الحفاظ على هذه الذراع أم أنها ستخرج عن السيطرة، وهذا ما لن يقول به عضو الحزب الشيوعي الصيني ومؤسس هواوي والرئيس التنفيذي لها السيد رن تشانج فاي.

بعد هذا الاستعراض الموجز نستعيد السؤال القديم الجديد، ما دور وزارات الإعلام العربية في هذا الفضاء السايبري، ربما لن يتجاوز حدود (التنظيم) لإعطاء شعور الرقابة، كرسالة تحذيرية تشبه رسائل التحذير الموجودة على لوحات الطرق الطويلة، فالعالم ونظامه الدولي الجديد القائم على (كتف الشركات العابرة للقارات) وتحول معظم الدول إلى دكاكين ومستودعات للإيجار، يجعلنا نعيد تعريف (الدولة) فالمواطن ومعنى المواطنة قد تطور خلال أقل من عقدين ليصل إلى مصطلحات ونقاشات تتحدث عن (المواطنة الرقمية)، والمخيف جدا أن توجد دول عربية لم تدخل بعد إلى مرحلة (المواطنة العادية) للدولة الحديثة وفق المعايير الدولية التي أقرتها هيئة الأمم المتحدة كحد أدنى للاعتراف بالدول دون إحراجات تقع ما بين (مقرر الأمم المتحدة) ومندوب الدولة المتمسكة بتقاليد السيادة (الكلاسيكية) التي سحبت بساطها التقنية الحديثة.

إنه ليس عصر (المطبعة) وانتشارها في أوروبا الغربية عام 1500 ميلادي ليبدأ ميلاد الصحافة بعد ذلك، ولا عصر (الآلة البخارية والثورة الصناعية) في القرن الثامن عشر، فقد غفلت كل دول العالم القديم عن أثر ذلك التطور التقني ليقوم نظام عالمي جديد على أنقاض القديم (روسيا القيصرية، العثمانية... إلخ)، لكن لنلاحظ أن هذه القيامة لا تقاس بالسنوات بل بالعقود، ولهذا فعصرنا ليس (عصر الإذاعة) ولا عصر (التلفزيون) بل عصر (الإنترنت) الذي أضفى طابعا ديمقراطيا في الوصول للمعلومات، وإبطال المركزية، ليتحول صراع أكبر الدول الشرقية في طبيعة نظامها المشغول بحق (المساواة)، مع أكبر الدول الغربية المشغولة في طبيعة نظامها بحق (الحرية)، إلى مزيج يسمونه (الديمقراطية الليبرالية) كمستقبل يراه بعض المنظرين نهاية العالم، بينما الأفضل للمتأملين أن يقفوا ما بين هيجل في مكر التاريخ، وماركس في الديالكتيك لنرى أن الثابت الوحيد في هذا العالم هو (التغير).