برفض قاطع، وإجماع منقطع النظير قابل السعوديون، حكومة وشعبا، التقرير الذي تم تزويد الكونجرس الأمريكي به بشأن مقتل المواطن السعودي جمال خاشقجي - رحمه الله - في إسطنبول عام 2018. فالعالم كله وقف مشدوها وهو يشاهد الموقف السعودي الداخلي موحدا، وهو يصطف خلف قيادته، مؤازرا ومساندا وداعما ورافضا كل أشكال الاستهداف، مؤكدا على قوة اللحمة الوطنية، التي تربط بين القيادة السعودية والشعب، والتقارب الكبير الذي يجمع بينهما، وهو العنصر الكفيل بإجهاض كافة محاولات النيل من هذا الوطن الأبي.

أسباب رفض التقرير كثيرة ومتعددة، ولعل أبرزها أنه لم يأت بجديد، وهو يجتر الأسطوانة الصدئة المكرورة، التي لا تحمل سوى اتهامات واهية تفتقر إلى الأدلة وتبتعد عن الأسانيد، وتجافي المنطق وحقيقة الأشياء. لا يعدو التقرير كونه استنتاجات خاطئة وكلاما مرسلا يبتعد عن لغة القانون، التي تلتزم بالدليل وتكتفي بالبرهان وتتعزز بالحيثيات. ولا عجب في ذلك إذا نظرنا إلى الفترة التي صدر فيها، وهي فترة كانت تشهد سجالا وتصفية حسابات بين عناصر الحزبين الأمريكيين، الديمقراطي والجمهوري، وللأسف حاول بعض المشرعين الأمريكيين إدراج حادثة مقتل خاشقجي ضمن ذلك السجال الحزبي.

والمتتبع للحادثة المؤسفة يجد أن المملكة التزمت منذ البداية بجانب الشفافية، وتمسكت بالسير وفق ما يقتضيه نظامها القانوني العريق من إجراءات واضحة، وأعلنت بمنتهى الوضوح والصراحة أن خاشقجي - رحمه الله - لقي حتفه نتيجة لخطأ ارتكبته مجموعة تم تفويضها للتفاوض معه، لإقناعه بالعودة إلى وطنه، وعندما فشل الطرفان في التوصل إلى اتفاق تجاوز عناصر الفريق حدود التفويض الممنوح لهم، وتصرفوا من تلقاء أنفسهم، وارتكبوا الجرم الذي راح ضحيته مواطن سعودي في قنصلية بلاده.

ولم تتردد السلطات السعودية في إدانة الجريمة فور وقوعها، ووصفتها بأنها نكراء وتبتعد عن قوانين البلاد وقيمها الراسخة، التي تنأى عن العنف والإكراه وتتمسك بالأنظمة والتشريعات. كما أن تصرفات أعضاء الفريق المعني، شكلت تعديا واضحا على أنظمة المؤسسات التي يعملون بها، لذلك تم توقيفهم جميعا، وتمت إحالتهم للتحقيق الفوري بواسطة الأجهزة المختصة. ولم يكتف النائب العام الشيخ سعود المعجب، بما تم بثه عبر وسائل الإعلام من حيثيات رافقت وقوع الحادثة، بل قام برفقة فريق مختص بزيارة موقع الجريمة، وجمع من الأدلة ما كان كافيا للوصول إلى مرحلة اليقين.

واستكمالا لسلسلة الإجراءات القانونية، قامت النيابة بتوجيه تهمة القتل للمتهمين وأحالتهم لمحكمة مفتوحة راعت جميع الأعراف القانونية، وجرت أحداثها بصورة علنية ومفتوحة سُمح لممثلي عدد من السفارات الغربية بحضورها، إضافة إلى أولياء الدم وغيرهم من المهتمين بالشأن القضائي، وقد أجمع هؤلاء على أن المحكمة استوفت كافة المعايير القانونية المطلوبة.

لم تُضع المحكمة الوقت في إجراءات عقيمة، ومماحكات بلا قيمة، بل مضت قدما في سبيلها. فحازت بسبب جديتها الكبيرة وحرصها على تطبيق القانون بكل حسم، ثقة أولياء الدم الذين تقدموا بالعفو لوجه الله تعالى، ورغم ذلك أصرت السلطات القانونية على استيفاء الحق العام، ردعا لكل من تسول له نفسه الاعتداء على الغير، وتجاوز الصلاحيات مهما كانت الذرائع والمبررات، فأصدرت في وقت قياسي أحكامها بحق المجرمين.

وكانت الأحكام رادعة بما يتناسب مع فداحة الجرم، حيث قضت المحكمة الجزائية بالرياض أحكاماً ابتدائية تقضي بقتل «5» من المدعى عليهم قصاصا، وهم المباشرون والمشتركون في قتل المجني عليه. تم تخفيضها من محكمة الاستئناف بعد عفو أولياء الدم ليصبح ٢٠ سنة لكل واحد منهم، والحكم بعشر سنوات لمتهم واحد وسبع سنوات لمتهمين اثنين، وأصبحت نهائية وواجبة النفاذ طبقاً للمادة «212» من نظام الإجراءات الجزائية، وهو ما قوبل برضا واسع من كافة الأطراف، وفي مقدمتها عائلة خاشقجي، والرأي العام العالمي الذي أكد أن المملكة قد انتصرت للفقيد وعائلته.

من المؤسف أنه رغم كل تلك الإجراءات القانونية الواضحة والشفافة، والالتزام بالمعايير القضائية، إلا أن من يتربصون بدافع الهوى حاولوا بشتى السبل، حرف الأحداث عن سياقها، والاصطياد في الماء العكر، ورفضوا إلا الانسياق وراء التقرير الاستخباري وأخذوه على أنه من الأمور المسلّم بها، رغم أن شواهد عديدة تؤكد أن تقارير الاستخبارات الأمريكية كثيرا ما تشوبها الأغراض السياسية والمصالح، لدفع صاحب القرار السياسي إلى اتخاذ قرارات ومواقف معينة.

رغم التحفظات العديدة على التقرير والأخطاء الواضحة التي صاحبته، والرفض الواسع الذي قوبل به، إلا أنه مثَّل أيضا صفعة قاسية في وجوه أعداء الحقيقة، الذين كانوا ينتظرون خطوات أكثر منه، فالتقرير أغلق ملف القضية إلى الأبد، لأنه الورقة الأخيرة التي كان يراهن عليها من امتلأت قلوبهم بالغل والحقد، وطفقوا يروجون للإفك بوسائل عديدة ووسائل إعلام مأجورة.

هؤلاء تناسوا وتجاهلوا أن العلاقة بين المملكة والولايات المتحدة هي علاقات راسخة، وجدت لتبقى وتزدهر، فالرياض هي الضامن الأكبر لأسواق النفط، ولاعب أساسي في الاقتصاد العالمي، لا يمكن بحال تجاوزه، كما أنها صاحبة الدور الأكبر في استقرار منطقة الشرق الأوسط، ولها أيضا اليد العليا في محاربة الإرهاب والتطرف، لذلك تحرص واشنطن على دفء العلاقات معها، وتنميتها وتطويرها في شتى المجالات، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، وأكده الرئيس جو بايدن حرفيا خلال اتصاله الأخير مع خادم الحرمين الشريفين، عندما قطع بأن بلاده لن تتوانى في أي حال عن الدفاع عن أمن المملكة وصون استقرارها، لأن في ذلك مصلحة للعالم أجمع.