لا يخلو زمان من المتلونين، وراكبي الموجات، فتارة مع المسلمين، ثم يقلبوا لهم ظهر المجن ويكونوا مع أعداء الدين، ثم بعد فترة يظهرون العودة لصف المسلمين. هذا التلون وعدم الثبات على الحق أمرٌ في غاية السوء، وهو دليل على النفاق في الدين، وعلى نقصٍ في الرجولة، وإلا فإن الدين والرجولة تقتضي أن يثبت الإنسان على الحق، ولا يكون انتهازيًا متلونًا حسب الأهواء.

نفرح بتوبة كل ضال، سواء كان ضلاله كفرًا، أو كان ضلاله بدعًا وفتنًا وإثارة، نفرح برجوعه إلى الحق، بل ربنا يفرح بتوبة عبده إذا تاب، ولسنا مأمورين بالدخول في نيات الناس، وفي الحديث (أشققت عن قلبه)، وليس لنا إلا الظاهر.

ولكن فرحنا بتوبة من يظهر التراجع إلى الحق، ليس معناه تمكينه أو تصديره في وسائل الإعلام، ودليلي على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه أن أبا بكر الصديق رضي الله قال لمن ترك الإسلام ثم رجع إليه (تَتْبَعُونَ أذْنَابَ الإبِلِ، حتَّى يُرِيَ اللَّهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمُهَاجِرِينَ أمْرًا يَعْذِرُونَكُمْ به) فلم يمكنهم رضي الله عنه، وقد استنبط الإمام محمد بن عبدالوهاب من حديث «اجعل لنا ذات أنواط» أن المتنقّل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقيه منه.

والراصد والمتابع يلحظ احتفاء بعض الليبراليين مع الأسف ببعض الإخوانيين الذين منعهم العلماء من التصدر للدروس ونحوها حماية للناس من شرهم، احتفوا بهم بحجة أنهم تراجعوا، وأن طرحهم جميل جدًا، فمكَّنوهم من القنوات الفضائية، ومدحوهم في المقالات الصحفية، فضلوا وأضلوا، وهذا التمكين في الفضائيات، والترويج الصحفي من اللبراليين للإخوان وإن كان لا يُستغرَب صدوره منهم، إلا أنه يوجب الحذر من التوجهات اللبرالية.

فالجامع بين اللبرلة والأخونة هو عدم التمسك بالعقيدة الصحيحة، التي تنهى عن الثورات والفتن والشر. ثم إن كثيرًا منهم متفقون على محاربة منهج السلف الصالح، ودعوة الإمام المصلح المجدد محمد بن عبدالوهاب والتي وصفها أحد الليبراليين أنها «عبءٌ يجب التخلص منها» مع أنه يعلم أنها دعوة لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وأن من ثمراتها التوكيد على تحقيق التوحيد، واجتماع الكلمة على الحق، والسمع والطاعة لولاة الأمر بالمعروف، والتحذير من الخروج والفتن، وهذا الخير في دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب، هو العبء الذي يعنيه، فهو عبءٌ عليه وعلى دعاة الثورات أمثاله، ولهذا طالب بالتخلص منها، فالإخوان واللبراليون بعضهم أولياء بعض، وإن اختلفوا في بعض الوسائل، فغايتهم واحدة.

وليُعلَم: أن مجرد نقد الإخوان ليس دليلاً على صحة المنهج، فقد ينقدهم ويسبهم من هو منهم، أو من هو سيء مثلهم، وقد يسبهم بعض الناس لأغراض انتهازية ومآرب دنيوية، وما لم يكن أساس نقد الإخوان ونحوهم هو العقيدة الصحيحة، والتقرب إلى الله، والكلام بعلم وعدل وإخلاص، فإنه لا قيمة له.

أدعو إلى لزوم عقيدة أهل السنة والجماعة، ففيها الخير والأمن والصلاح واجتماع الكلمة على إمام المسلمين، وأحذّر من أهل الأهواء ودعاة الضلال، وأرى أن تصديرهم في الإعلام ونحوه عاقبته وخيمة، ومن تاب منهم نفرح بتوبته، ولكن لا يُصدّر، بل إن شاء يتبع أذناب الإبل، وإن شاء ينشغل بنفسه، يعبد ربه، ويدَع الناس من شره.