تغيب المنطقة الرمادية لدى بعض من الجهات في تعاطيها مع الأحداث، نجدها تتعامل بتطرف في مواقف معينة تستهدف العميل. إما تتجاهله تماما أو تغرق في إرضائه لحد التملل. وهذا يجعل كلا النتيجتين متساويتين. فنجد أن كثيرا من القطاعات لم تكن تلقي بالا لآراء عملائها، أو حتى تبحث عن رضاهم، خصوصا في ظل غياب التنافسية. فضمان سلوك المستفيد من الخدمة، وإدراك الجهة أنه مجبر عليها، جميعها عوامل ساهمت في إغفال البحث عن رضاه لسنوات عديدة.

ولأن القوانين والتوجهات اختلفت، أصبح رضا العميل، (ترمومتر) أداء الجهات، لذا هي تتسابق للبحث عن طرق كسب ذلك الرضا، حتى بلغ الأمر بالعديد منهم تكرار سؤال العميل عن مدى رضاه عن الخدمة المقدمة، حتى يصاب بالانزعاج. وبالتالي فإن بعضهم وقع في فخ عدم رضا العميل، بسبب أنه تجاهله في السابق، وبالغ في السؤال بالحاضر.

من الزوايا المبتكرة لدى بعض الجهات، اختلاس رضا العميل بطريقة لا يشعر بها المستفيد من الخدمة. كأن تقوم الجهة برصد آراء العميل بعد ثوان معدودة من تقديم الخدمة، أو بعد لحظات من إنجاز معاملته. حتى تظهر النتائج العامة أن مستوى رضاه كان عاليا دون أن تشير تلك الإحصائيات للظرف الزماني الذي رصدت من خلاله تلك الانطباعات. استثمار الحيز الزماني بات مطمعا للكثير من الجهات إن هي أرادت إظهار نفسها بالشكل الأمثل وعلى لسان الجمهور. مثل أن تفوز إحدى القنوات بأعلى نسب مشاهدة حين تدخل سباقا لحجم المتابعات الجماهيرية ورضاهم عن المحتوى في فترة رمضان، أو إبان وقت المباريات! إن لم تفز في هذه الأوقات والمناسبات متى ستفوز؟

بل إن بعض الانطباعات تكون متجزئة نحو زاوية امتازت بها الجهة، مثل أن تقوم إحدى وكالات السيارات بقياس رضا العميل تجاه خدمة المواعيد فقط، دون التطرق لجودة الصيانة، وهذا الذي سيعطى انطباعات متباينة عما هو موجود على أرض الواقع. ما بين غاضب على خدمة الصيانة وبين من هو راض عن مواعيدها.

امتدادا لذلك، وفي خضم التحديات التي تواجها وتعانيها الجهات المختلفة أمام جمهورها، تبحث عن فئة من الاستطلاعات التي تقيس مدى الرضا تجاه بعض الأمور الهامشية أو الثانوية، دون الأخذ بالاعتبار الانطباعات والاتجاهات المتشكلة من قبل العملاء تجاه القضايا الجوهرية، وكأن الجهة تريد تقديم هذه الخدمة، فقط كإجراء لتحقيق منفعة معينة تريدها من رضا العميل.

ما يجب أخذه في الاعتبار واستيعابه، أن المؤثر والمشهور ليس عميلا عاديا. فمقياس رضا المشاهير عن الخدمة لا يعني رضا العميل نفسه. فالأول سيسحب الأضواء المصاحبة كافة، والمتابعين له نحو الجهة، لذا فهي ستحرص على إبراز أفضل وأجمل حلة لها، في سبيل تقديم خدمتها وكسب رضا المشهور والمؤثر، لا العميل العادي الذي سيجد خدمة وتجربة مختلفة.

كثير من الممارسات الحالية تستخدم العميل كوسيلة لأهداف إعلامية لها، لتحسين صورتها الذهنية أمام الشاشات، وما أن تغيب هذه الأضواء حتى تنتفي العلاقة بين الجهة والعميل. لذا يجب ألا يقتصر الرضا على حدث وقتي أو جانب لحظي، وكأنها مهمة أنجزت فحسب. فالرضا الحقيقي للعميل يجب أن يتسم بالديمومة، وهي الركيزة الأساسية والغاية التي تنطلق منها الجهات في علاقتها مع الجمهور، فبناء علاقة استراتيجية مبنية على الرضا والقبول كفيل بإنجاح أي منظمة.

تقول الكاتبة والشاعرة الأمريكية مايا إنجلو: «الناس سينسون ما قلته، ما فعلته لهم، ولكنهم لن ينسوا أبدا كيف جعلتهم يشعرون».