الروح تحتاج إلى اعتناء وصيانة، فهي مصدر القوة والصلابة وهي مصباح يضيء الدروب الممزّقة في ظلام الملمّات. فالبنيان الروحي يلزم المتابعة والاهتمام بمصادر بقائها، وتنقيحها واختيار الأنسب والأفضل لبناء تلك الروح، بطريقة تربويّة صحيحة وتنمية نفسيّة سليمة. فجوع الروح يحمل نفس مساوئ الإشباع بطريقة خاطئة.

بداية، السلوك هو نشاط ينبع من قالب الإنسان، سواء كان أفعالا يمكن ملاحظتها وقياسها، كالنشاطات الحركية، أو نشاطات تتم بطريقة غير جليّة كالتفكير والأوهام والوساوس، لتصب في مجرى واحد وهو التكوين لشخصية الإنسان. السلوك ليس شيئا ثابتا يسير على وتيرة واحدة كدقات الساعة، وليس علامة تجارية ثابتة تعطى لضمان الاسم والجودة، وتستمر مدى الحياة، ولكنه متغير ومتبدّل بتأثره وتأثيره، كالتأثر بالرياح النشطة أو الأعاصير الهائجة، التي تحوّل الأجواء الصافية الى أجواء ذات لون مصفرّ، محمّلة بالأتربة والسموم، تأثرا بعوامل البيئة الخارجيّة والمحيطة. إنه ليس ظاهرة عفوية حدثت عن طريق الصدفة! بل يخضع لنظام معين، استطاع العلم تحديد نقاط قوته ونقاط ضعفه. بمعنى آخر أو بصورة أدق، قد يمكن القول بأنه عمليّة تقوية وتعزيز للأداء، والتأدية والحيثيّات المطلوبة من ناحية، وإضعاف أو إخفاق السلوك غيرالمرغوب فيه من ناحية أخرى.

لنسلّط الضوء على السلوك العسكري - وهو المحور لهذا المقال -، فيمكن القول بأنه لباس فذّ ذو طابع خاص وألوان مميزة، تدفع لابسها للتّحلي بأخلاقياتها. فهو قائم على التدريب والصقل والتنمية، والتقويم للقوى المعنوية متناغمة مع القوى البدنية، وهو تطبيق منظّم لإجراءات مستمدّة من المادة العسكرية، بهدف إنشاء جيل يواجه التيّارات الهائجة مواجهة جريئة وقويّة، يستطيع بكل حكمة وحنكة مستطاعة، اتخاذ الموقف الحازم في كل أزمة أو بليّة. فالشدة والعنف واجبة في مثل هذه الحالات.

في الحقيقة، إن السلوك العسكري في بعض حالاته قد يكون مبهما أو غامضا، لأن جزءا منه بيّن ولامع قابل للملاحظة والقياس، والجزء الآخر منه كامن ومستتر داخل النفس، قد أصبح مستنقعا ضحلا للأوهام والمعتقدات، التي تقيس الأمور على المستوى السطحي جدا، فبكل شفافيّة هو السماع بكل ودّ لكل ما يشاع ويثار ضدّ الوطن، على الساحة الدولية والداخلية. ديننا دين العزة والبطولة، فعندما نعود بأدراج التاريخ الى الوراء، نجد أن الأمم بلغت مجدها وعزّها بتعزيز وإكرام الروح العسكرية للفرد ذات البأس الشديد. فالكنوز العسكرية في القرآن الكريم جمّة ووفيرة، ومع غزارتها فإنها عصرانية متجددّة العطاء، في كل عصر وحدث.

إن التدريب الفردي للمواطن الصالح عسكريّا، هو غرس بذور الخصال العسكرية النبيلة في روحه وسلوكه، غرسا يجني منه ثمرا وزهرا، ويجعل منه مقاتلا من الطراز الأول. يحمل راية الدفاع عن الحقوق وينصر ضعف الإنسانيّة، ويخدم في المصالح الخاصّة والعامّة، لسلامة الوطن ورفع شأنه بين الأمم. فنحن اليوم نواجه هضبات من الاضطرابات، لا تواجه إلا بنفوس قوية واقتحام للشدائد، وإعلاء لنهضة الأمة وتقوية لشوكتها. وذلك كله لا يكون إلا بملازمة الطاعة التي حثّنا عليها الإسلام، وهي الضبط والنظام كما يطلق عليها في الصياغات العسكرية الحديثة.

نحن اليوم نواجه أحداثا ومؤامرات، وفتنا تسترسل وتتدفق علينا وعلى أمننا، لتزرع الفرقة وتبث الفتنة وتمزق الشمل بدهاء خبيث. فهذا أمر مشاهد ومحسوس. لذا كان لزاما علينا تكثيف الجهود على تلك الأرواح المؤازرة والمدافعة، التي تطوّق أمن الوطن، ورفع أدائها لبنة لبنة لتصل إلى العلياء بإذن الله.

بالعودة الى تاريخ الأمم السابقة، نجد أن المسلمين سبقوا العالم أجمع إلى مفهوم الحرب الاجتماعية، ودخلوا أوسع أبواب الانتصارات التي تنصّ على إعداد الأمة بطاقاتها المعنوية والمادية للحرب، طبقا لقوله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} 41 التوبة.

الإعداد الإيماني الروحاني للفرد، هو الذي يؤجّج في المؤمن الحق روح القتال والدفاع عن الوطن. إضافة الى ذلك، قوة الجأش متى ما تلازمت مع الشجاعة والاستزادة بفنون الحرب، ووسائل الدفاع والمواجهة، بما تقتضيه متطلّبات العصر الحديث، سيكون لها الأثر البالغ. فالإعداد الإيماني والإعداد الحربي يصبان في جوهر واحد، لتكوين مواطن صالح وجندي لا يهزم.

ومن أهم عوامل الإعداد، الإعداد تدريبا وتنظيما وتجهيزا، فشواهد التاريخ طالما دوّنت ووثّقت مدى خطورة الأمر، في حالة الاستهانة بالعدو، فزادت الاغتباط العميق. وكثيرا ما رددت العرب هذه المقولة «إذا كان عدوك نملة، فلا تنم له» . فالإعداد المتكامل الجوانب يرفع معنويات الجندي، ويقوي الثقة بالنفس ويدفع الفرد للأمام، فلا يخاف في الله لومة لائم. فالطاقات المعنوية متلاحمة مع الفوز والانتصار وذات طابع نفسي، لذا كان لازما تسليط الجهد على دعمها وتقويتها وسقايتها بين الحين والآخر، في حالة ما إن جفّت منابعها، فالحرب النفسية تعني استهداف الروح المعنوية وتحطيمها. فهي كامنة خفيّة، جذورها ولبنتها هما قوة الإيمان بالله عز وجل، مدعمة بالصبر وقوة الإرادة. فكما نعرف أن من يدّون النصر ويخلّده هو الإنسان، بروحه وقوة عزيمته لا بالسلاح، وذلك ليس تقليلا من أهمية السلاح كما نعلم.

في الختام، الجندي المواطن ينتمي الى أشرف وأجل وأنبل جهة وطنية، تسعى للحفاظ على راحة وأمن وحقوق الوطن والمواطن. والسلوك المراد غرسه هو أخلاق تطمح لإنشاء جيل لا يطمع إلا بحقه، ولا يرضى بالدنية.