مطر، مطر، مطر. حينما تغيم السماء وتتلبد بالغيوم كان الرجال (المخيلة) يتسابقون إلى أعالي الهضاب والمرتفعات (يخيلون)، أي يحددون الأماكن التي يمكن أن تسقط عليها هذه الغيوم. فيتباشرون ويستبشرون بقدوم هذا الضيف الوافر العطاء لكل ما يبث الحياة في كل شيء. كما أن حبات المطر حين تختلط بذرات التراب تصدر رائحة تعشقها أنوف العرب عشقاً يفوق هذه المفردة وما تتركه من ألق في قصائد الشعراء.

فكما يقول الشاعر عبدالله بن معروف:

وصفت طهوب الخير عطر خيامها على كل واد ما توطا وما علا

والبسها الترقيب أشرف حلةٍ ونالت من الترديف حظا مكملا

وطوقها التبريز خير قلايد من التبر فاستحلت بذا ايما جلا

ولله صوت الرعد في مبسم إذا ما تبدا عارضًا متهللا

ولقد منّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ على مدينة الرياض وغيرها من مدن المملكة بنعيم وافر من المطر والغيث في هذه الأيام مما يزيد من ألقها، فانتشت القيعان والأودية ومنابت الشجر باستقبال هذا الضيف الذي له فى نفس العربي الكثير الكثير نتيجة لطبيعة البيئة والإرث النفسي ولما تركته لنا عقيدتنا من أن نزول الغيث رضوان من الله على خلقه.

وللمطر شأن آخر فى بلدان أخر. فهذه الكلمة أو المفردة البشيرة بالخير والجمال والحياة أصبحت تأخذ في يومنا هذا مدلولها ـ في جلّ بلاد الوطن العربي ـ في السَنَة، بل وأمطار الأربع والعشرين ساعة مما تمطره علينا وسائل الإعلام، فتقشعر أبداننا ويعلو القطن الأبيض هامات الرجال وهم في ريعان الشباب، ويتحسس كل مسدسه حين تدق حبات المطر المشتعلة نافذته بدلا من أن يتحسس رداءه ويدثر أهله وبدلاً من أن يشعل مدفأته المغطاة بحبات الكستناء.

لم تعد المدافئ مغطاة بحبات الكستناء إنما تتغطى الأرض بجمـاجم وأشـلاء الشباب العربي وأشلاء الأطفال.

وأصبح المطر المتساقط حراباً ونبالاً وسموما ونارا تتلظى، نراها كل يوم، فعاد أهل العواصم والمدن في العالم العربي يستبدلون تذاكر السينما ببطاقات البث ويستبدلون شاشات السينما بشاشات أحدث صنعاً وأكثر بريقاً تتباهى بها الصالونات العربية لتصبح الصورة أكبر وأوضح وأنقى، فنحتسي الشاي وحبات الكستناء.

إن شاشات "البلازما" أصبحت فخر الصالون العربي حيث إن الصورة تبدو واضحة والمشاعر ملتهبة، وبحمد الله انخفضت تذاكر السينما ليس لشيء سوى أن الدراما أصبحت أقوى بكثير على الشاشات المنزلية، فلم تعد خيالا بقدر ما أصبحت واقعا نحياه في بلاده، ومشاعر المتلقي أصبحت أكثر برودة فلا تستجيب لأي مؤثر درامي خال من الدم والنار، وأصبحت تنتظر المطر ليس لإحياء الأشياء واستنشاق رائحة الثرى المبتلة بحبات الندى أو المطر أو لنشوة الأزاهير على النافذة الزجاجية، إنما لأنه فطر على حب المطر أيا كان نوعه وأيا كان أثره، فالجينات العربية التي تضرب جيناتها وجذورها في عمق البداوة المحبة للسيول والأمطار فطرت أيضاً على الانتظار، وثيمة الانتظار ثيمة درامية عالمية عالية الخصوبة في عالم الدراما علينا نحن الدراميين أن نستغلها للتشويق والتوتر والترقب أيضاً، أما الصورة فلا تحتاج إلى كتاب دراميين في عصرنا هذا، فالدراما أصبحت تكتب بالدماء على الشوارع والأرصفة ونحن نتلذذ أو بمعنى آخر نستسيغها.

لا مانع أن تكون هناك أمطار الصيف أو أمطار الشتاء المهم أن يجد المذيعون ومحررو النشرات مفردات محببة إلى قلب المشاهد يأتي بها من عمق وجدانه العربي وعقيدته (المطر) وإن كانت من نوع آخر من الأمطار، ولتكن كلمة مطر مفتاح السر، ولكن يبدو أن هذه التقنيات ـ بما فيها من بريق ـ تشل أفعالنا كأنثى العنكبوت التي تلدغ ذكرها بعد تلقيحها فلا تدع سوى أعصاب مخدرة صبَّت في عروقه هذه الوقحة سماً يدع له حركة كحركتنا، حركة بطيئة مخدرة تتلمس النجاة بدون جدوى.

فالعناكب والأمطار أصدقاء كل منهم يوفر للآخر غايته، الأمطار توفر الاستكانة والعناكب تعمل على شل الحركة وحبات الكستناء فوق المدافئ المشتعلة.

ويبقى شيء واحد، صوت خافت.. مطر، مطر.. مطر.