قال الإمام ابن رجب الحنبلي، رحمه الله، في كتابه «جامع العلوم والحكم» عن حديث المصطفى، صلى الله عليه وسلـم، الذي نصح به ابن عمه، سيدنا ابن العباس، رضي الله عنهما: «احفَظِ الله يَحْفَظْكَ. احفَظِ الله تَجِدْهُ تجاهَكَ..»: «كان بعض العلماء قد جاوز المئة سنة، وهو ممتَّعٌ بقوَّتِه وعقله، فوثب يوما وثبة شديدة، فعُوتِبَ في ذلك، فقال: هذه جوارحُ حفظناها عَنِ المعاصي في الصِّغر، فحفظها الله علينا في الكبر، وعكس هذا، أنَّ بعض السَّلف رأى شيخا يسأل الناسَ، فقالوا: إنَّ هذا ضيَّع الله في صغره، فضيَّعه الله في كبره».

تذكرت الحديث السالف وشرحه، وأنا أتأمل حسن خاتمة العم الشيخ عبدالرحمن عمر خياط، الذي انتقل لجوار ربه مساء الإثنين 24 رجب الماضي عن «94» عاما، وهو في كامل حواسه وتمام جوارحه، خلا عارض بسيط أصابه، كان يخفيه عنه أبناؤه، بينما هو الذي كان يخفيه عنهم، حتى لا يسؤوهم أمره.

العم عبدالرحمن عرفته صديقا لوالدي، ومن المترددين على المجلس العلمي لجدي، رحمهم الله جميعا. كنت أفرح بتواصلي معه، برا بوالدي، وكلما أقول له: «يا سيدي سامحني في التقصير»، يقول: «أنتم المحلقون ونحن المقصرين»، بل هو الذي كان يبدأ في التواصل ويحرجني، ويقول: «الواجب لا يتأخر عنه المحتاج للأجر»، ويضيف العبارة التي حفظها عن مشايخه، ولا يترك ترديدها: «الناجي منا يأخذ بيد أخيه».

عم عبدالرحمن ذاكرة قوية، وذهنية حاضرة، وكاتب مميز، له في الصحافة مقالات قيمة وتوثيقات رائعة، وكان يسعدني بتعليقاته. مداخلاته محترمة والسبب أنه يحضرها قبل إلقائها، ومن كتاباته العالقة في أرشيفي مقالة للفقيد عنوانها «السعادة في البساطة»، كتبها بتاريخ 28/‏ 5/‏ 1430، مما قاله فيها: «من قنع شبع، وعلى المرء أن يكون واقعيا، وأن يعلم أن من السنن ضرورة عدم السيرعلى وتيرة واحدة؛ لعدم الإفضاء إلى الملالة..».

العم عبدالرحمن له قصة جميلة مع خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله، قبل 22 سنة؛ كان رحمه الله في العاصمة الغالية، في مناسبة زواج عائلية، وذهب مع قريبه، للتشرف بالسلام على سيدي خادم الحرمين الشريفين ـ أمير الرياض آنذاك ـ ويقول: كنت متكئا على عصاي بلباسي المكي المعتاد، وعند السلام على سموه، رحب بي بعبارة «يا راعي مكة»، وسأل: هل جئت من مكة المكرمة للسلام عليّ؟، فقلت: نعم وهذا واجب، وردد، ويده في يدي: «ما أحلى لباسكم»، فقدمت له «الغبانة» هدية، فقال: «جئتَ بها من مكة، ولازم ترجع بها»، وسأل عن العصا، وأضاف: «حنّا ما نخاف منها» - أي العصا - فرددت أن الحاجة وآلام الركبتين من دعاني إليها، فقال سموه: الطب متطور، وليه ما تعمل مفاصل صناعية؟، وطلب حضور تشريفاتي الإمارة بندر العقيل، وأسرّ إليه بكلام لم أسمعه.. ـ نتج عنه بعده ـ تغيير مفاصل الركبتين دفعة واحدة.. وبعد خروجي من المستشفى، ذهبت للسلام على سمو الأمير سلمان، فأمر لي بمعونة سخية؛ وتدور الأعوام لأتشرف بمقابلته في منزل الوجيه عبدالرحمن فقيه، بعد 15 سنة، في رمضان 1435، وسلمته «الغبانة»، وأخذها مرددا وهو يبتسم: «أنتم أهل الوفاء يا أهل مكة».. حفظ الله خادم الحرمين الشريفين، ورحم الإنسان «الذهب» العم عبدالرحمن خياط، وبارك في أنجاله خالد وهشام ورامي، ووالدتهم، وأخواتهم، وأعظم أجر الكل فيه.