كما في عالم الكرة تماما، يفضل عالم الأعمال والمشاريع على المستويين العام والخاص "اللاعب الأجنبي" على اللاعب المحلي مهما كانت احترافية هذا اللاعب ومهنيته. ففي كثير من المجالات في المملكة خصوصا تلك التي تحتاج لخبرات مهنية يبدو أن زامر الحي لا يطرب، وأن لكل مهنة ومجال هنالك حالات "ريكاردية" (قياسا على ريكارد مدرب المنتخب الباهظ الثمن). موضوع اللاعب الأجنبي في جميع أبعاده لا ارتباط له بالسعودة إلا من حيث الأثر النظامي إن كان هنالك أثر نظامي، وإنما يرتبط بـ"الوطننة" على مستوى صنع القرار وتنفيذ المشاريع.

لكي أتلافى التعميم وليكون كلامي أكثر مصداقية سأحاول أن أقصر الكلام على مجال تخصصي الذي أعمل فيه وأعرفه معرفة أدعي أنها جيدة، حيث منّ الله علي أن أعمل فترة من الزمن مع شركات أجنبية رائدة في مجال المحاماة، أحدها عمره الآن يتجاوز المئتين وسبعين عاما تقريبا، وما زال في قائمة مكاتب المحاماة الخمسة الأفضل على مستوى العالم والآخر مكتب أصغر نسبيا من حيث العمر الزمني، ولكنه خلال فترة عملي فيه كان الأكبر من حيث الحجم على مستوى العالم. خلال هذه الفترة كنت لاعبا أجنبيا ولكن بثوب وغترة، ولهذا كانت الأبواب تفتح لي للمنافسة على المشاريع الضخمة، ولكن ليس لأنني وطني وابن الوطن بل لأنني أمثل مكتبا أو "لاعبا" أجنبيا مع معرفتي بالأنظمة السعودية وتمرسي في التعامل معها.

لم أتنبه في بداية الأمر أن عملي مع تلك المكاتب لم يكن لأنني الأفضل من الناحية القانونية ولكن لإجادتي اللغة الإنجليزية ومعرفتي بأنظمة المملكة، وكذلك لكي أكون رسالة من المكتب للجهات القائمة على هذه المشاريع أن هذه المكاتب لديها محامون سعوديون. وعلى أنني أقر باستفادتي وتعلمي من هذه المشاريع ومن العمل مع هذه الشركات إلا أنني أستطيع القول وبلا تردد أنه من الصعب أن أصدق أن أيا من هذه الشركات الاستشارية الكبرى قدم أو يقدم خدمة حقيقية تذكر للوطن. لا أريد أن أكون متحاملا على المكاتب الأجنبية ولست هنا بصدد توجيه أصابع اللوم لأحد.

هنالك مثل إنجليزي يستخدم للإشارة إلى المبالغة في وصف جودة الشيء Too Good To Be True ومعناه أن ما تصف رائع لدرجة أنه يصعب تصديقه، هذه المكاتب والشركات متطورة جدا بلا شك، ولها أنظمة نفتقر إليها هنا في المملكة، لأنها تتطلب استثمارات مالية أكبر بكثير من إمكانيات سوق المحاماة لدينا، ولكن هذه المنظومات العملية المتقدمة تقوم أولا وأخيرا على مفهوم الربحية "تقديم الخدمة بأقل مستوى ممكن من التكلفة"، وبالتالي هي متقدمة جدا حتى يمكن أن يستفيد منها سوق الاستشارات في المملكة.

ما يحدث في هذه المشاريع أن هذه المكاتب تتخذ في الغالب مقرها الرئيسي في الشرق الأوسط في إحدى الدول المجاورة هروبا من التعقيدات الإجرائية والنظامية التي لدينا في هذا الباب، وتبدأ بتعيين كفاءات أدنى بكثير من الكفاءات التي يشترطونها في دولة المقر أو الدول التي تسمح لهم بممارسة العمل بشكل حقيقي ومجد من الناحية المالية، ثم توقع عقد تمثيل لها في المملكة مع أحد المكاتب القائمة، وتبدأ الزيارات بين دولة المقر وبين الدولة المجاورة وبين المملكة حتى يتحصلوا على المشروع. معظم العمل يتم من خلال الكفاءات الأقل في الدول المجاورة ويتم التنقيح المظهري من قبل الشريك الخبير في المجال المعني في المكتب الأم، ثم تعود المشاريع بصياغة جميلة ونماذج رائعة غاية في التكاملية ولكنها رائعة لدرجة أنها لا يمكن أن تطبق لدينا في المملكة دفعة واحدة.

من المؤلم جدا أن نرى أن كثيرا من أصول هذه الأنظمة التي تتم صياغتها مصاغة باللغة الإنجليزية وفقا لعقلية ـ أحترمها ـ ولكنها لا تعرف شيئا عن المملكة وعن طبيعتها وعن بنيتها سوى ما تقرؤه أو تتطلع عليه من خلال الاستبيانات الموجهة التي يعدونها (بمهنية عالية من الناحية الشكلية). ولهذا نجد في بعض الأحيان أنظمة ذات صياغات رائعة ولكنها لا تمت إلى واقع الحال بالشكل الملائم.

أنا لست ضد اللاعب الأجنبي في مجال الاستشارات القانونية، بل أقر أنني لولا عملي معها لافتقرت إلى كثير مما أدعي التميز به، ولكن الحاصل الآن يشبه كثيرا المثل القائل "كل الفطير وطير" بمعنى أنهم لا يستثمرون على الحقيقة ولا يطورون البيئة النظامية في المملكة إلا بقدر ما يستفيدون هم، ولهذا أتمنى من وزارة العدل أن تفرض على هذه المكاتب حدا أدنى من الاستثمار والتواجد حتى لا تكون مجرد مكاتب تمثيل لاستلام المعاملات وتسليم التقارير دون مساهمة حقيقية في بناء الكوادر القانونية وتطويرها بما يحقق مصلحة البيئة النظامية في المملكة.

تغريدة: في كثير من الأحيان تضطر لخسارة فرصة في مقابل الحفاظ على مبدأ راسخ. انظر إليها على أنها استثمار في أثمن الأصول لديك.. "الثقة".