قبل يومين حلت الذكرى الخامسة لرحيل صديق العمر علي آل عمر عسيري الشاعر والأديب، وقد التمعت في داخلي كوامن الوجع ونبرة المرارة وحرقة الفقد، كان يؤنسني بخصامه وعراكه الباسق حتى حدود القطيعة والجفاء، ولكنه يملك الفائض من القدرة على ردم الفجوات، وإصلاح العطب الذي تفجره كائنات محقونة بالقبح والابتذال والتواطؤ مع الخراب والرغبات المهيضة. شكا لي ذات مساء اتهام الآخرين له بالاصطفائية الذاتية والنرجسية وتحريك الشخوص عبر مداره ومساره وراهنه المجرد، فكنت أهون عليه وقع ذلك الاتهام الجارح له بقولي: "إن الأحكام تقف أحياناً عند الظاهر والمباشر والقراءة التوصيفية العجلى دون الولوج إلى المخبأ، والمختزل والنبع المنسرب في جوهر الإنسان، فتقدير الذات لذاتها لم يكن استعلاء ولا أنانية وانشطاراً حسياً ولكنه فضيلة التفوق ومعافاة الطموح" تخاصمنا غير مرة ولكنه خصام في متناول القلب فأنا أعرف مفاتيح قلبه، لقد كان صديقي مفرط الإحساس بالموت. عدت معه في مساء دافئ إلى داره في تهامة، وكان مصراً على أن أسير معه إلى المزرعة التي يعشقها كثيراً، ولكني اعتذرت له بسبب الوقت المتأخر ثم سألته بعد أن لمحت أطراف المنزل: لماذا اخترت هذا المكان الموحش والقابع بين الجبال والسكون وعتمة الرهبة فابتسم ضاحكاً وقال: ألست فلاحاً؟ قلت بلى قال: هذا ما كنت أبحث عنه هرباً من قروح المدينة وهشيم الحضارة ومباخر السموم، لو جربت يا أحمد صلاة التهجد في السحر لأحسست بعروق الروح ورعشة الضوء، وهي تنطلق من داخلك كجواد الصبح باحثة عن الطهر والفراديس المخضلة كدموع الأبرياء.

لقد كان شديد الإيمان واليقين المطمئن، منسجماً مع نفسه ومع أفكاره يحب الصعود مما أورثه قلق المبدع وتوتر المكابدة، عقدت معه صلحاً غير مكتوب أن نقاتل ضد القبح وأن نتشبث بالحلم ونكتب للفضيلة ما استطعنا، كي يظل ما نقوله مصباحاً وخلاصاً من أدران الحياة، لقد كان صديقي كزهرة البنفسج ما إن تبصر الحياة حتى يداهمها الموت، لقد رحل ولكنه لم يرحل، وغاب ولكنه لم يغب، كان طفلاً كبيراً عامراً بالعذوبة والوقار والتفكير العميق، كان حاضراً في صخب الحياة فهو يحمل نفساً قروية وروحاً جبلية شديدة الحساسية والعناد، يا صديقي ما زالت حمائم روحك تملأ السماوات البيض، فأنت تنام تحت يباس التراب، ولكنك مكفن بمشيئة الله بالضوء والألق، فكلنا إلى الموت يمشي ولا نعرف كم بقي لنا من حصة الزمن الذي لا يرحم، فما أقسى أن تتقشر ساعات العمر كلحاء الشجر العجوز دون أن نشعر.