قد يستغرب البعض وقوف بعض اليساريين، من المفكرين الغربيين والعرب، مع الثورة الإيرانية عند بدايتها عام 1979، لكن كل من قرأ في أدبيات «لاهوت التحرير المسيحي» ذي الجذور اليسارية، والسابق على الثورة الإيرانية، سيعرف سر هذا الإعجاب «المبدئي» والذي تراجع بعد انكشافه عن دكتاتورية كهنوتية، ولا ننسى أن نشير لبعض المفكرين، الذين حاولوا اصطناع «لاهوت تحرير إسلامي» في كتبهم، فعلى المستوى الشيعي علي شريعتي وعلى المستوى السني حسن حنفي.

كل هذه التوطئة تهدف إلى تهيئة القارئ، كي يبدأ في قراءة الواقع العالمي، وفق خريطة دينية ذات أبعاد إيديولوجية كلاسيكية، تنتمي للحرب الباردة «اشتراكية، رأسمالية» لنجد «لاهوت التحرير المسيحي الإسلامي» يقف ممثلاً في إيران وبعض دول أمريكا الجنوبية، في صف الاشتراكية، بينما «لاهوت السوق الرأسمالي المسيحي الإسلامي» يقف ممثلاً في تركيا وأمريكا الشمالية، بالنسبة لأوروبا فهي تتكئ على نظام، يحاول أن يمزج ما بين الاشتراكية والرأسمالية، ليخرج علينا بما يسمى «الديمقراطية الاجتماعية» التي تحاول الإمساك بالعصا من المنتصف، ما بين مكتسبات المساواة الاجتماعية في الاشتراكية، ومكتسبات الحرية في الرأسمالية الليبرالية، محافظة على تقاليد عصر الأنوار في النزاهة اللائكية عن اللعب بورقة الدين، ولهذا فأمريكا ليست على وفاق بنيوي مع عصر الأنوار الأوروبية، وهذا ما نجده في تلميحات الباحث الأوروبي، الذي ينظر باستعلاء مع قلق لما يسمى النيوليبرالية، مما دعا الباحث السويسري باتريك هايني لتأليف كتابه «إسلام السوق» كمقاربة تقليدية، لما يراه مضاداً لعصر الأنوار الأوروبية، فكتابه أطروحة تحاول أن تحد من غلواء الرأسمالية الأمريكية المتوحشة، لكنها بالنسبة للوطن العربي وللمسلمين خصوصاً، فهي تشي بلاهوت إسلامي رأسمالي يتزعمه «الإخوان المسلمون» كبيادق، يمكن للأمريكان الرهان عليها في هذا السباق الاقتصادي بين لاهوتين، أحدهما للفقراء والآخر للبرجوازية، وقد انحاز الإخوان المسلمون، كما يظهر إلى لاهوت السوق، في صف البرجوازية كما ترغب الرؤية المسيحية الرأسمالية للولايات المتحدة الأمريكية، ولهذا فقد ارتمى الإخوان في حضن كل من يؤمن بنفس قيم السوق الليبرالية الجديدة ممثلة ـ إلى حد الآن ـ في تركيا.

لاهوت التحرير الإسلامي كما شقيقه المسيحي، خرج من رحم الفقر والمظلومية، فكانت قاعدته الأيديولوجية اشتراكية بلغة دينية، أما لاهوت السوق فخرج من رحم البرجوازية وأهوائها في الربح والثراء السريع، فكانت قاعدته الأيديولوجية رأسمالية بلغة دينية، فهل نعود لنقرأ خارطة العالم العربي وفق الأجندة القديمة لأيام الحرب الباردة، بين نظامين عالميين، لكن الفرق الوحيد أن كلا النظامين استخدم نفس اللغة «الدينية» لتعود الحقيقة كما أقرتها «المادية التاريخية» في صراع الطبقات، ماثلة من جديد لكن بثياب دينية، تسترها عن أعين المتربصين لأي أطروحة ماركسية، تحاول تفسير الواقع كما هو، مهما التبس بشعارات تحكي عن قضايا ميتافيزيقية لا ارتباط لها بالواقع، فإن وراءها صراعاً طبقياً مستتراً، نكتشفه من خلال رأسمال معنوي، وجده جميع الأطراف في الدين، فركضوا يتسابقون إليه كخزان تعبوي لا ينفد.

من المفارقات أن لاهوت التحرير المسيحي، لا يركز على قضايا العقيدة المسيحية، وهذا ما ضايق البابا في لقائه بزعماء هذا التوجه من رجال الدين، في نيكاراجوا عام 1983م، فحتى البابا لا يريد للمسيحية أن تنخرط في هذا التوجه «العملي الماركسي» ضد الرأسمالية.

نجد الإخوان المسلمين أيضاً، لا يتخذون مواقف عقائدية حادة من خصومهم، بقدر خصومتهم لأسباب اقتصادية أو سياسية صرفة، يغطونها بافتعال قضايا دينية كأنما هي السبب الرئيس لخصومتهم، كاستدرار للعواطف الدينية التي ينجرف لها كثير، ممن يعانون في العمق من أزمات اقتصادية يعدهم «إسلام السوق» بمعالجتها عبر دورات تطوير الذات «الإسلامية» ودورات التنمية البشرية، وإعداد القادة «الإسلاميين» كانعكاس لثقافة أمريكية بلغة عربية «إسلامية»، وذلك كبديل للخيار الراديكالي المتمثل في «لاهوت التحرير الإسلامي» الذي تتزعمه طهران كقاعدة سياسية لها، لكنها على المستوى الاقتصادي لا تمانع في بعض المكاسب، ولو عبر إسلام السوق لإنتاج مشروبات غازية إسلامية!؟!! وللحديث بقية.