الأستاذ عبد الكريم غلاّب كاتب، وروائي، ومفكر سياسي مغربي معروف. ولغلاّب خمس روايات منها: "سبعة أبواب" 1965 وهي سيرة ذاتية عن تجربته في السجن، "دفنا الماضي" 1966، "صباح ويزحف في الليل" 1984. وعشر دراسات أدبية وفكرية بينها: "صراع المذهب والعقيدة" 1977، "ملامح من شخصية علال الفاسي" 1974، "الفكر العربي بين الاستلاب وتأكيد الذات" 1977. ودراسات تاريخية وسياسية بينها: "دفاع عن الديمقراطية" 1966، "معركتنا العربية في مواجهة الاستعمار والصهيونية" 1967، "تاريخ الحركة الوطنية بالمغرب" 1976، "الفكر التقدمي في الأيديولوجية التعادلية" 1979، "سلطة المؤسسات بين الشعب والحكم" 1987، وهذا الكتاب: "الثقافة والفكر في مواجهة التحدي" 1976، الذي نقدمه اليوم للقارئ السعودي والعربي، الذي – ربما - لم يسمع أو يقرأ لهذا العَلَم المغربي المرموق. مكمن أصالة الفكر واختيارنا لهذا الكتاب جاء – في واقع الأمر – نتيجة استشرافه للمستقبل العربي. فرغم أن هذا الكتاب قد كُتب وصدر عام 1976 إلا أن أفكاره ما زالت باقية وصالحة حتى الآن، رغم مرور أكثر من ربع قرن على تأسيسها. وستظل باقية وصالحة في المستقبل، إلى أمد بعيد. وهذا هو مكمن أصالة الفكر وصدقه، الكامن في ديمومته. فنحن حتى الآن، وبعد مرور آلاف السنين، ما زلنا نقرأ سقراط، وأرسطو، وأفلاطون، وكوكبة كبيرة من مفكري عصر التنوير الغربي، كما نقرأ الجاحظ، والمعرّي، والمتنبي، والتوحيدي، والرازي، وابن سينا، وابن رشد، وكوكبة كبيرة من مفكري القرون الخوالي.

وعندما نقرأ كتاب عبدالكريم غلاّب "الثقافة والفكر في مواجهة التحدي" الآن، فإننا نجد تطابقاً بين ما يقوله هذا المفكر في هذا الكتاب، وبين ما يجري الآن على الساحة العربية، فيما يُطلق عليه "الربيع العربي"، وما نشأ عنه من تغيرات وتبدلات جوهرية، في العالم العربي، وما سيجري عليه في المستقبل القريب والبعيد أيضاً. لقد سبق أن قرأت هذا الكتاب عند صدوره في نهاية السبعينات من القرن الماضي. وبعد الانتهاء منه قلت بيني وبين نفسي: أفكار حالمة، وتنظير خيالي من كاتب ومفكر مغربي، يعيش في مدينة فاس، بعيداً عن المشرق العربي، وهمومه، وتحدياته. ولم أكن أتصور أن عبدالكريم غلاّب يستطيع أن يقرأ التاريخ العربي جيداً على النحو الذي تم. ولهذا أعدت قراءة كتابه "الثقافة والفكر في مواجهة التحدي" للمرة الثالثة، بعد أن تفتَّح كثير من زهور "الربيع العربي"، وبحثت عن كتاب لكي ينير لي طريق المستقبل العربي، فلم أجد خيراً من هذا الكتاب، الذي يتحدث عن المثقف الملتزم أمام التحديات، ودور المثقف في معركة التغيير، ومسؤولية المثقفين، والنضال من أجل حرية الفكر، والتخلف الذي يتحدى الفكر، ومكانة العقل العربي، وانتقاله من التخلف إلى العصرنة، ونزيف الفكر العربي، ومكانة الفكر العربي بعد هزيمة 1967، وتقييم المرحلة ومواجهة التحدي، وغير ذلك من المواضيع المهمة، ذات العلاقة الخاصة بالتغيير والإصلاح، والجواب الصريح والعلمي الموضوعي عن عدم قدرة كثير من الأنظمة العربية على الإصلاح والتغيير.

كان فكر الأمس في "الثقافة والفكر في مواجهة التحدي" هو فكر اليوم الذي نراه في الواقع العربي الحالي الآن، وربما تجلّى في التالي:

1- إن الفكر في الأمس، واليوم، وغداً، وعلى مرِّ التاريخ لا يمكن له أن يحقق ما يدعو إليه من تغيير وإصلاح إلا في مناخ الحرية. فالثقافة تعني الاستقامة وإقامة الاعوجاج. وتغيير الاعوجاج لا يمكن أن يتم إلا بالمثقف الملتزم والحر. وواضح أن حرية المثقف تعني عدم سجن فكره داخل أيديولوجية معينة. كما أن الحرية تعني التحرر من كل قيد، ولكن ليس الانفلات الذي يؤدي إلى الفوضى التي نراها الآن في بعض البلدان العربية التي نعمت بالربيع العربي سريعاً ثم عادت إلى الذبول ثانية. وتبقى الحرية "ضرورة حتمية للثقافة وهي مقدمة في المنطق الفكري على الالتزام الذي لا يكون التزاماً حقاً بدونها. ومعناه، أن المثقف يجب أن يتمتع بكامل الحرية مع التزامه بقضايا الوطن، والمواطنين، وبقضايا العالم، والإنسان." (ص 50). ويؤكد عبدالكريم غلاّب في كتابه، أن التزام المثقف من ضرورات، وأسس التغيير. ويقول: "إذا كان الالتزام في الدول المتطورة [فرض كفاية] فهو [فرض عين] في الدول المتخلفة كدول العالم العربي." (ص31). وهذا ما كشفت عنه تداعيات الربيع العربي في الأمس واليوم، وسنرى المزيد من هذه التداعيات في المستقبل القريب.

2- إذا كانت هناك خيبات وانتكاسات للربيع العربي، فستكون بسبب التزام المثقفين التزاماً كاذباً. والالتزام الكاذب هو الالتزام المتعلق بتبني الشعارات السياسية، والاجتماعية، والدينية، البراقة، والعاطفية، التي تدفع المتلقي إلى البكاء والنوم، وليس إلى العمل واليقظة. ويدعو عبدالكريم غلاّب المثقفين إلى الصدق، والعمل على إشاعة الصدق. وعليهم أن يبدؤوا بأنفسهم، فالصدق في العمل يعني التخلّي عن أبراج المثقفين العاجية، والنزول إلى الناس للاستماع إليهم، والإنصات إلى ما يقولونه ويريدونه. ويقول غلاّب: "الممارسة شرط أساسي في إيجابية المثقف الملتزم. والابتعاد عن الممارسة هو ما يمكن أن نسميه بأدب الشُرفة، أو البرج العاجي. ولقد ولّى عصر الأبراج العاجية، وأصبحنا الآن نعيش (حياة الشوارع)، التي هي حياة العمل والممارسة، من أجل إنسان الأرض الحقيقي." (ص35).

3- لا تعني السياسة بالمفهوم المعاصر – كما كانت بالمدلول القديم – الحكم، وممارسة السلطة فقط. وليست فقط الخيارات بين أنماط الحكم وأشكاله، ولكنها في عالمنا العربي ـ المتخلف خاصة ـ تعني الاهتمام بقضايا المواطنين التعليمية، والصحية، والاقتصادية، والثقافية. والسياسة العربية ـ خاصة ـ يجب أن تعني اليوم ـ على وجه التحديد ـ بالتفكير في قضايا الإنسان، والارتباط بهذه القضايا. ولعل هذه أهم رياحين الربيع العربي.

4- جاء الربيع العربي في وقت تغيّر فيه مفهوم "المثقف" العربي عما كان عليه من قبل. فقد كان المثقف العربي في الماضي، يشاهد، ويتفرج من نافذته على ما يجري على أرض الواقع، دون مشاركة أو ممارسة. أما اليوم فقد أصبح المثقف العربي هو الممثل على خشبة مسرح الواقع، وليس المتفرج فقط. وهكذا أصبح المثقف داخل اللعبة السياسية، وليس خارجها.