النفور من النصيحة
يعلق مدير مركز التلفزيون السعودي في منطقة نجران علي زينان اليامي على مسألة النصيحة والنفور منها، ويقول "لا شك أن لطريقة عرض النصيحة تأثيرها في المتلقي، وبالتالي في الالتزام بها وقبولها من عدمه، لكننا نجد اليوم أن النفور من تلقي النصيحة هو السائد، أولا لكثرة الناصحين ممن ليسوا أهلا للنصح أصلا، وإما لأنهم يهرفون بما لا يعرفون من باب التقليد وبغية الحضور والظهور، أو لعدم تمتعهم بالقبول شكلا ومضمونا، فالقبول هبة من عندالله".
وأضاف "أما أن يرتبط رمضان بفكرة أنه موسم الأكلات فهذا مخالف أصلا للهدي النبوي وما جاءت به الشريعة الإسلامية، فرمضان شهر عمل وعبادة وهو شهر الله، وشهر القرآن، لا شهر الأكل والنوم، لكننا وبانسياق تسببت فيه وسائل الإعلام على اختلافها وكرسها ما يسمى مشاهير السوشال ميديا، بمخاطبة العقل الباطن لربات البيوت والتأثير عليهم بإعلانات الأكل، ومع كثرة الإعلانات كثر النائحون أو الناصحون فقل تأثيرهم، وربما انعدم، للتكرار الممل وانعدام التخصص فبان عوار هؤلاء وهؤلاء".
ثقافة الوعي الغذائي
لا يرى أخصائي التغذية عبدالسلام مدخلي أن النصائح الغذائية التي تواكب الشهر الفضيل مجرد موضة، وإنما أسلوب حياة، ويقول «هذه النصائح يجب أن تفهم على أنها أسلوب حياة صحي من المفترض الأخذ به، ولكن بعض الأشخاص لا يجيد الالتزام به، وهنا يبرز دور الإعلام في نشر ثقافة الوعي التغذوي حتى تعُم الفائدة على الجميع».
وتابع «لو سألنا هل تكمن المشكلة في طريقة عرض تلك النصائح، أم من النفور من تلقي النصيحة بشكل مباشر، فأقول قد تكون من كلا الجانبين، الأول: في حال تقديم النصيحة التغذوية للفرد قد يستصعب المستمع فكرة اتباع نظام غذائي صحي.
والثاني: قد يكون الشخص غير متقبل لتلقي النصيحة فيلجأ إلى النفور، وأما من جهة أن رمضان ارتبط بفكرة أنه موسم الأكلات المتنوعة، وإلى أي حد تعارض هذه الفكرة مسألة النصائح، فمن الأفضل أن يكون التنوع في الأكلات في رمضان وغيره لتأمين جميع العناصر الغذائية، ولكن باتباع خطط غذائية صحية كالتقليل من نسبة الدهون والسكريات في الأكلات، وكذلك توفير أطباق صحية متنوعة من البروتينات والكربوهيدرات والدهون البسيطة».
استعراض الموائد
يشدد مدير مركز البحوث العلمية بجامعة نجران الدكتور ماطر محنشي على أن «رمضان شهر الروحانية، وشهر القرآن والصدقة والإحسان، وشهر الصدق مع النفس في كل ممارسات الحياة، وشهر ترتبط فيه أعمال الروح والجوارح بكل ما يؤدي إلى صفائها ونقائها روحانيا وصحيا.
والصوم كمفهوم حياة وامتناع النفس عن الشهوات عامة وما يخص البطن بخاصة، يربي النفس على عادات جديدة للجسم لم يعتدها طول العام، ويقلل الأمراض وما يخرب العقول والأجساد لذلك قال رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم: صوموا تصحوا وهذه الصحة البدنية والعقلية.
ومع قولنا كل ذلك تجد الممارسات الغذائية في رمضان تخالف المكنون الحقيقي للصيام، فتجد الأسر تستنفر قبل الشهر بشراء كل ما لذ وطاب، وتجد الموائد تمتلئ بالأغذية، وغالباً غير الصحية، وهذه يناقض ما يُطرح في الإعلام قبل الصيام، فتجد المتخصصين في الأغذية والأطباء والصيادلة ينبهون ويحذرون من الممارسات الغذائية السيئة، ولكن العادة التي اعتادتها الأسر غلبت كل المطالبات والنصائح المتعلقة بذلك، وكما قيل في المثل (الطبع يغلب التطبع)».
ويضيف «تكمن مشكلة عدم تقبل الناس للنصائح الغذائية من المتخصصين في نقاط:
أولها: «طبيعة تعلق البشر فيما يخص الأكل والذي يعد من أعظم الشهوات والرغبات فلا تتقبل النفس النصائح بتجنبه بسهولة.
ثانياً: ارتباط الموروث التاريخي بوجود أكلات خصوصا بشهر رمضان تميزه عن باقي الشهور فمن الصعب تقبل التغيير.
ثالثا: طبيعة النصائح التي تقدم في الإعلام مباشرة للمتلقي وفي بعض الأحيان ترتبط بمعلومات فوق مستوى المتلقي ليتلقاها.
رابعا: وجود تضاد قوي جدا من شركات الأغذية التي تسوق لمنتجاتها التي تفوق عدد البرامج والأطروحات التثقيفية الصحية في رمضان.
خامسا: التسابق والتنافس- إذا استطعت أن أسميه- على استعراض السفر بين الأسر في رمضان في وسائل التواصل الاجتماعي».
تفاوت تقبل النصائح
يوضح مدير مركز الثقافة والفنون في منطقة نجران علي ناشر آل كزمان أن «ثقافات وعادات المجتمع تختلف وتتباين في تقبلها للنصائح الغذائية في شهر رمضان، وحتى مع كثرة البرامج الغذائية الصحية التي تعنى بالتزام المرضى، ومع النصائح الإعلامية الموثوقة إلا أن مسألة التقبل ترتبط أولا بالوعي، وثانيا بالعادات المجتمعية، ومن هنا يكون مدى الالتزام مختلفا ومتراوحا بين الإسراف، وكسر تلك النصائح.
ومهما كانت طريقة العرض أو التحذيرات، وعلى رغم من بعض التجارب المريرة التي يمر بها أفراد المجتمع وحتى علمهم وفهمهم أن النصائح التي تقدم لهم صحيحة وتصب في صالحهم، إلا أن أغلبيتهم يتأثرون بعادة الكرم وبالطلبات العائلية وموائد رمضان التي تناقض تلك التحذيرات والنصائح، خصوصا فيما يتعلق بالحلويات والأطعمة المقلية والعصيرات الملونة».
الانفلات السلوكي الرمضاني
يقول الدكتور، المعالج النفسي عبد الله أحمد الوايلي «من وجهة نظري كمختص نفسي، ومن زاوية نفسية، فإن الغذاء الصحي في رمضان وغيره من أساسيات الصحة النفسية الشاملة لأنه يعد أحد ثلاثة أضلاع رئيسة ومهمة للجسم، إضافة للنوم الطبيعي والرياضة، من أجل أن يحصل الفرد على التوازن النفسي وجسمي المثالي، ولذلك فإن النظام الغذائي العشوائي في رمضان بالذات يؤثر على الناحية النفسية بشكل كبير جدا، لأنه يؤدي للخمول والكسل وفقدان المتعة، وبالتالي يصبح عملية إشباع خطأ نتيجة للمفاهيم والعادات والثقافة السلبية بل إنه تأصيل للأعراف الاجتماعية التقليدية التي تظهر رمضان عبارة عن شهر (السهر والأكل والنوم) فقط، على الرغم من أن ديننا الإسلامي الحنيف يقول عكس ذلك تماما، حيث قال المصطفى- صلى الله عليه وسلم- (صوموا تصحوا)، ومن هذا المنطلق أرى أن شهر رمضان الكريم هو شهر استثمار حقيقي للعقل الإنساني وما لديه من اتزان انفعالي لأن فيه تربية صحية للذات، وهذه التربية تُبنى على ثلاثة أهداف نفسية هي (الفهم والتنبوء والضبط) أي أن على الفرد أن يضع لنفسه نظاما غذائيا صحيا يفيد (ذهنه وجسمه)، حيث إن الإنسان عبارة عن فكر ومشاعر وسلوك وكلها داخل وعاء يكمن في الجسم وغذاء هذا الجسم هو الروح وهي التي تحتاج فقط لقليل من الطعام؟! وليس كل الطعام، أي لقيمات تسند بها ذاتك.
إذاً فالهدف الرئيس من الصيام ليس الشره في الطعام ولا الامتناع عنه بل الهدف روحاني وأخلاقي ومجتمعي. كما يجب الإشارة إلى أن تغيير النمط الغذائي للمرضى خلال شهر رمضان الكريم قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، ومن هنا فلا بد من استشارة مختصي التغذية لاتباع نمط غذائي صحي مناسب، أي أن التهيئة النفسية لشهر رمضان تعتمد على الشخص نفسه (ما له وما عليه)، ومن الحكمة والنضج أن يكون الاهتمام بالغذاء الرمضاني جزء من كل».
وأضاف «التنظيم الغذائي للإنسان يساعد على تغيير وتعديل السلوك وبالتالي القدرة على التعامل مع بعض الظواهر السلوكية السلبية في رمضان كالغضب والتذمر وعدم التقبل والعصبية والتسرع والانفلات السلوكي الرمضاني؟! وهذا تأكيد على نوعية الأكل وأنه ليس كل شيء، وأن علينا جميعا أن نبدأ بأنفسنا من خلال وضع جدول غذائي صحي وتطبيقه حتى لا يتأثر السلوك العام للإنسان بل يجب علينا الاقتداء والاهتمام بما جاء به نبينا الكريم- صلى الله عليه وسلم: بقوله (إني صائم إني صائم)، وهذا دليل على تهذيب النفس من خلال ضبط الانفعالات والسلوك».
حرص تسويقي
يرى مدير مركز العلاقات العامة والإعلام بجامعة نجران حسين المصعبي أن «النصائح المتناقلة عبر وسائل الإعلام ما هي إلا دعايات إعلانية إما لأشخاص أو مؤسسات صحية تسعى لتسويق ذاتها، وكسب مزيد من المتابعين عبر منصاتها الإعلامية، أو الربح المادي من المستهدفين، وتكمن المشكلة في التشبع من تلك النصائح والوعي بالحيل التسويقية، ففي كل عام تتكرر تلك النصائح وربما تعاد بصيغة مختلفة مع قناعة المشاهدين بعدم جدواها، كما أننا نرى تناقضا في تلك القنوات التي تبث تلك النصائح، فعلى سبيل المثال تبث قناة ما دعاية تحتوي على نصائح غذائية، وبعد ذلك تليها دعاية أخرى لبعض المأكولات التي تناقض النصيحة».
وأضاف «من وجهة نظري، فإن المتلقي أصبح واعيا بما فيه الكفاية، ولا تنطلي عليه تلك الخدع التسويقية التي تغنيه عن مشاهدتها أو التأثر بها، وفي الحقيقة فإن رمضان ليس موسم الأكلات المتنوعة بل أصبح موسما يرتبط بأكلات معينة في الغالب لا نراها إلا في هذا الشهر، والدليل على ذلك اختفاء تلك الأكلات حتى من إعلانات تلك القنوات، ومع ذلك نرى التناقض بشكل واضح في القنوات كونها تكثف إعلاناتها للأكلات وتقدم النصائح في الوقت نفسه وهذا دليل على الحرص التسويقي لمقدمي تلك النصائح وليس الحرص على حماية المستهلك».
خطورة توعية الإعلام
يعرج المستشار والمدرب المعتمد في تنمية الذات بدر فهد على مسألة الإدمان على الأكل في رمضان، وقال «من وجهة نظري، أصبح هناك ما يسمى الإدمان على السفر المتهورة برمضان، وصار هناك ما يسمى حالة الارتباط الشرطي لدى البعض من فئات المجتمع بين وجود موسم رمضان وحتمية وجود الأطعمة المتناثرة وغير الصحية على كل سفرة».
وأضاف «بالنسبة للإعلام ما زال بعضه يحاول بمختلف الوسائل وبكل قوة توعية المجتمع بخطورة تناول الأطعمة غير الصحية، بينما الفرد يستمتع بالحديث الجيد من وسائل الإعلام بنهار رمضان ويتحمس ويعلم أن الحديث المطروح من الإعلام فيه مصلحه الفرد الصحية وينوي أن يعمل بهذه الإرشادات الصحية ولكن عند آذان المغرب يتم نقض المواثيق وتغيب النوايا والوعود التي أخذها المرء على نفسه، ويبدأ بالممارسات المتهورة ويغيب الفكر فتنشغل المعدة وتغيب إيجابيات الصيام الصحية وتختلف القصة ويبدأ بالمعاناة وتثقل المعدة، ويتحول إلى معاتبة نفسه على عدم الوفاء بالوعود، يلوم نفسه عدة دقائق على عدم الالتزام ويشعر بالقليل من التأنيب ويبحث عن مبررات لتبرير فعله وينتهى الأمر عند هذا الحد، ويتكرر المشهد كل مغرب بشكل يومي حتى نهاية شهر رمضان».
عوامل رفض النصائح الغذائية الرمضانية
ـ القناعة أن المنقول منها عبر وسائل الإعلام ما هو إلا دعايات إعلانية تستهدف الربح
ـ وعي المتلقي وتنبهه للخدع التسويقية التي تغنيه عن مشاهدة النصائح والتأثر بها
ـ تناقض القنوات التي تقدم نصائح لتجنب بعض المأكولات لكنها تنشر دعايات لها بعد دقائق
ـ تكريس العادات لرمضان على أنه شهر الأكل والنوم
ـ النفور من النصيحة عموما وعلى الأخص من طريقة تقديمها
عوامل نفور من النصيحة
طريقة عرضها غير الجاذبة أو المقنعة
كثرة الناصحين ممن ليسوا أهلا للنصح
النصيحة يقدمها أحيانا من يهرف بما لا يعرف
عدم تمتع الناصح بالقبول شكلا ومضمونا
كثرة الناصحين قللت تأثيرهم
مبررات عدم قبول النصيحة الغذائية
طبيعة تعلق البشر بالأكل كإحدى أعظم الشهوات
ارتباط الموروث التاريخي بوجود أكلات خاصة برمضان وبالتالي يصعب التغيير
طبيعة النصائح التي تقدم في الإعلام ويكون بعضها فوق مستوى تلقيه
التضاد بين قوة شركات الأغذية ودعايتها من جهة وبرامج النصائح من جهة أخرى
التسابق والتنافس على استعراض الموائد بين الأسر في وسائل التواصل الاجتماعي