دارت هجمات انتقامية متبادلة بين إسرائيل وإيران ضد مصالح الشحن الخاصة بكلٍّ منهما، لذلك صار البحر ميدانًا لصراع تدور رحاه في المنطقة الرمادية، وبقيت عملية تهريب النفط في صلب الأزمة، وهي لا تتعلق بالتهرب بشكل كبير من العقوبات الإيرانية، بل بتأمين الأموال لـ«الحرس الثوري» الإيراني ووكلائه في الخارج، وأبرزهم «حزب الله».
وعندما كشفت الإجراءات الأمريكية عن مخططات تمويل سابقة مقرها العراق، لجأ «الحرس الثوري» إلى تهريب النفط إلى مناطق أبعد كمخطط تمويل غير مشروع قائم على التجارة، مما سمح له بتمويل «حزب الله» وتسليحه مع تحقيق المنفعة أيضاً إلى نظام الأسد في سورية.
مسارات تمويل جديدة
يشير ماثيو ليفيت، مدير برنامج «راينهارد للاستخبارات ومكافحة الإرهاب» في معهد واشنطن، إلى أن البحرية الإسرائيلية اعترضت لسنوات سفن شحن تحمل أسلحة لجماعات مسلحة تدعمها إيران مثل «حماس» و«حزب الله».
وفي عام 2017، زادت إسرائيل بشكل كبير من وتيرة هذه العمليات سعيا إلى تعطيل الحشد العسكري الإيراني في سورية دون إشعال حرب إقليمية.
ومن عام 2017 حتى صيف 2020، أفادت بعض التقارير أن القوات الإسرائيلية نفذت حوالي 1000 غارة جوية في سورية، واستمرت هذه العمليات منذ ذلك الحين، مما أدى إلى تعقيد جهود «الحرس الثوري» لإرسال الأموال والأسلحة إلى «حزب الله» عبر الرحلات الجوية من طهران إلى دمشق.
خطط تمويل
وضعت إيران خططًا لتمويل «حزب الله» عبر المصارف والشركات العاملة في العراق. وفي مايو 2018، اتخذت وزارة الخزانة الأمريكية خطوة كبيرة نحو تعطيل هذه الخطط من خلال إدراج محافظ «البنك المركزي الإيراني» ولي الله سيف ومسؤول آخر داخل المؤسسة على قائمة العقوبات. كما تم إدراج اسم الرئيس التنفيذي لـ«مصرف البلاد الإسلامي» في العراق، إلى جانب مسؤول بارز في «حزب الله» يدعى محمد قصير على لائحة العقوبات.
ووفقًا لمسؤولي وزارة الخزانة، كان قصير بمثابة «قناة أساسية» لإيصال الأموال من «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» إلى «حزب الله». وعند انكشاف أمر القنوات المصرفية العراقية، انتقلت تلك القتوات إلى مخطط تمويل قائم على التجارة يشمل النفط الإيراني.
شبكة تهريب النفط
في سبتمبر 2019، أشار تقرير لوزارة الخزانة الأمريكية إلى أن إيران نقلت نفطًا «بقيمة مئات ملايين الدولارات» عبر شبكة شحن غير مشروعة خلال العام الذي سبق. وقام كل من «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» و«حزب الله» بتوجيه الشبكة، بما يعود بالفائدة على كلا المنظمتين وعلى نظام الأسد أيضًا. وأفادت بعض التقارير إن هذه الشبكة هي التي حفّزت حملة التعطيل البحري التي تقوم بها إسرائيل.
في نوفمبر 2018، وبعد 6 أشهر من اتخاذ إجراءات ضد «البنك المركزي الإيراني» و«مصرف البلاد الإسلامي» في العراق، كشفت وزارة الخزانة الأمريكية عن مخطط تمويل إيراني معقّد يشمل قصير وعناصر أخرى في «حزب الله». ومن خلال عمل مسؤولي «الحزب» مع عملاء إيرانيين وشركات روسية و«مصرف سورية المركزي»، سهّلوا شحن ملايين البراميل من النفط الإيراني إلى نظام الأسد. وبعد ذلك سهل النظام تحويل مئات ملايين الدولارات إلى «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري»، والذي بدوره أرسل الأموال إلى «حزب الله» و«حماس». وفي رسالة إلى مسؤول كبير في «البنك المركزي الإيراني»، أكد قصير وشريك سوري مقرّب استلامهما 63 مليون دولار.
نقل الأسلحة والتكنولوجيا
وفقاً لوزارة الخزانة الأمريكية، يرأس قصير أيضاً «الوحدة 108» في «حزب الله»، وهي «المسؤولة عن تسهيل نقل الأسلحة والتكنولوجيا وأنواع الدعم الأخرى من سورية إلى لبنان». وخلال فبراير 2019، ظهر قصير كمدوّن ملاحظات في صور ومقاطع فيديو عن الزيارة السرية التي قام بها بشار الأسد إلى طهران لعقد اجتماعات مع الرئيس الإيراني حسن روحاني والمرشد الأعلى علي خامنئي.
وتم اختيار قصير بعناية للمشاركة في تلك الزيارة من قبل قائد «الحرس الثوري» السابق قاسم سليماني، الذي كان دوره في جهود التهريب مكثفاً قبل وفاته، وكان مسؤولاً عن بيع كمية غير معلنة من النفط الخام تحت إشراف «المجلس الأعلى للأمن القومي» الإيراني، وغالباً ما استخدم أساليب «مبتكرة» و«عالية المخاطر»، بل وقال البعض أنه كان القناة الوحيدة لبيع النفط الإيراني.
وأدار سليماني هذا المخطط بمساعدة قصير، الذي اعتمد بدوره على زمرة من عناصر «حزب الله». وكان أحد هؤلاء العملاء محمد قاسم البزال، الذي استخدم شبكة من الشركات - من بينها «مجموعة تلاقي»، وشركة «حقول البحرية»، و«نغم الحياة» و«توافق» وشركة «ألوميكس» («ALUMIX») - من أجل «تمويل وتنسيق وإخفاء» شحنات النفط غير المشروعة.
استهداف في محله
في سبتمبر 2019، استهدفت وزارة الخزانة الأمريكية عدة أطراف في هذه الشبكة لتهريب النفط، من بينها «مجموعة تلاقي». وتبيّن أن محمد قصير ومحمد البزال وشركاتهما اضطلعوا بدور بارز في الشبكة المكشوفة، إلى جانب علي قصير، ابن شقيق محمد. واتخذ علي قصير من طهران مقرًّا له، وعمل ممثلًا لـ«حزب الله» في إيران وشغل منصب المدير الإداري لـ«مجموعة تلاقي». وبهذه الصفة، وفقًا لوثائق الحكومة الأمريكية، كلّف السفن «بتسليم شحنات للشبكة الإرهابية بناءً على توجيهات «فيلق القدس».
عقود غير مشروعة
أشرف وزير النفط الإيراني السابق والمسؤول في «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» رستم قاسمي على هذه الشبكة من عملاء «حزب الله» وشركات الواجهة، وهو يرأس أيضًا «لجنة تطوير العلاقات الاقتصادية الإيرانية السورية». وإضافة إلى العناصر المذكورة أعلاه، اعتمد قاسمي أيضًا على ابنه مرتضى لوضع اللمسات الأخيرة على عقود النفط غير المشروعة، بما فيها بعض العقود التي حاولوا جعلها كقادمة من العراق بدلًا من إيران. وفي أكتوبر 2020، نشر «برنامج المكافآت من أجل العدالة» الأمريكي مكافأة قدرها 10 ملايين دولار للحصول على معلومات حول الشبكة.
والخلاصة، منذ سنوات، يقوم «حزب الله» بدور فعال في مساعدة «فيلق القدس» وشبكته الدولية من التجار على التحايل على العقوبات وشحن المنتجات النفطية مباشرةً من إيران إلى سورية. خاصة بعد منتصف عام 2018، عندما أصبحت هذه الشحنات وسيلة طهران الأساسية لتمويل «حزب الله»، وفي بعض الحالات شملت الأسلحة أيضاً.
ويقيناً، أن الجهود البحرية التي قامت بها إسرائيل ليست واسعة النطاق مثل حملتها الجوية في سورية، التي قللت بشكل كبير من قدرة إيران على إرسال أسلحة إلى «حزب الله» برًا عبر البوكمال. ويبدو أن هدف هذه الجهود البحرية هو إعاقة شحنات النفط الإيراني وليس شلها، ربما بسبب ضعف ممرات الشحن الإسرائيلية عبر بحر العرب. ومع ذلك، تسببت الإجراءات البحرية الإسرائيلية بتأخيرات حرمت النظام السوري من واردات البنزين ومنعت وصول الأموال النقدية، والأسلحة، ومعدات إنتاج الصواريخ إلى «حزب الله». وتؤكد هذه الحوادث، أكثر من أي شيء آخر، تزايد الاعتماد المالي المتبادل بين إيران وسورية و«حزب الله».
أهداف حققتها الحملة ضد إيران
01 حرمت نظام الأسد من واردات البنزين
02 منعت وصول الأموال والأسلحة والمعدات لحزب الله
03 خففت التحايل على العقوبات على طهران