قدمت الباحثة التونسية صوفية السحيري بن حتيرة، دراسة مهمة، بعد أن غاصت في أكثر من 100مصدر وأكثر من 200 دراسة، لتتجلى في بحثها الأهمية التي يحظى بها الجسد الأنثوي في الثقافة الإسلامية. جاءت دراسة الكاتبة في 4 أجزاء، عالجت في البداية كيف كانت المرأة المسلمة تقيم، وكيف كانت منزلتها بين الثقافي والمقدس، حيث كان من الواضح أن صورة المرأة القادرة على غواية الرجل، وجعله يفقد صوابه هي الصورة التي شغلت الناس، وأثارت توجسهم.

مكونات شخصيتنا

بدأ تاريخ الإنسان على الأرض باكتشاف الجسد، وهذا الاكتشاف لم يأتِ عفواً، بل منذ زمن آدم وحوّاء .

وقبل هذا الاكتشاف لم يكن للإنسان من تاريخ، بل كان الوجود سديماً لا زمن له. فالجسد هو فجر التاريخ. ثم إنّ استعمال الجسد هو تعبير وإنتاج ثقافي، فهيئته وأوضاعه وحركاته، وثوبه وحليه وطقوسه. ورأت الكاتبة أن هذا البعد الرمزي للجسد يخوّل لنا قراءته كنص. وفهم لغته يمكّننا من التعرف على مميزات حضارة ما.

وطرح تاريخيّ علميّ قد يساعدنا على فهم مكونات شخصيتنا الثقافية في أبعادها المتعددة، فنضعه على بساط الدرس كموضوع له مسائل راهنة.

الجسد كمبحث

أصبح على مستوى التنظير والممارسة، قطباً رئيساً للاهتمامات المعاصرة ومرجعاً ضرورياً يتناول الفرد والمجموعة في كلّ الأبعاد. مواقف الفقهاء استعرضت الكاتبة المحاجة الهامة حول العلاقة الجدلية بين مفهوم «العورة» والنظر، وقد استغلت في هذا الجزء من الدراسة نصا مهما جدا لابن القطان، حول النظر. ذاهبة إلى أن رهان الجسد النسائي، الذي يجب حجبه عن أنظار الرجال، يدور ربما حول نقطة رئيسة، هي إرادة إقصاء هذا الجسد عن الساحة العامة، مصدر كل المخاطر، ومكان التعرض لخطر النظر، أو بالأحرى لرغبة الرجال.

وتعرضت الكاتبة بالتحليل إلى مواقف الفقهاء، حول دور المرأة ومختلف مواضع الفضاء الحضري، كما تعرضت إلى الممنوعات المصرح بها، وناقشتها بإطناب.

التراكيب العميقة

تقول صوفية «الدراسات الحقلية للمجتمعات المفارقة، بدأت مع ولادة الأنثروبولوجيا، التي نشأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي. ولكن لا يمكن إغفال كتابات شبه أنثروبولوجية، من أعمال فلاسفة أو جغرافيين، أو علماء تاريخ قدامى، أمثال هيرودوت، المسعودي، ابن حوقل، البكري، الإدريسي، ابن بطوطة، وخاصّة البيروني».

فالأنثروبولوجيا التاريخية علم يحلل تاريخ الإنسان الثقافي، ويهدف إلى إدراك دقيق للمواضيع، وفهم المعاني وفك الرموز، هو علم يكتسي أهمية بالغة لكونه يثري ويفيد العمل التاريخي، حتى لا يختصر التاريخ على تأريخ الأحداث، أو تراجم الشخصيات، بل يتجه نحو ما هو أعمق وأشمل، نحو التراكيب العميقة والدقيقة، التي تهم الإنسان من قريب في تعامله مع أشياء الحياة.

السلوكات والذهنيات

الكتاب كان في الأصل أطروحة دكتوراه، حول الجسد الأنثوي بإفريقية في العهد الحفصي، وعن ذلك قالت صوفية السحيري«الفترة الحفصية التي امتدت زمنياً على ثلاثة قرون تقريباً، من أواسط القرن الثاني عشر ميلادي، إلى أواخر القرن الخامس عشر ميلادي، هي عبارة عن الرحم الذي حمل وأعطانا حاضرنا، فالكثير من معتقداتنا وتصوراتنا ومواقفنا اليوم، من الجسد وتصرفاتنا معه، وخاصة مع الجسد الأنثوي، ليست إلا تواصلاً لهذا الماضي، فقد وجدنا رواسب هامة جدّاً غير واعية في أعماق الأنا والوعي، وهو ما ورثناه عن هذا الماضي القريب الذي مضى، لكنه طبع بعمق حاضرنا، وذلك من خلال ما استبطنه اللاوعي الفردي والجماعي، إذ لكل جماعة تاريخ مستبطن يزن على السلوكات والذهنيات، وبصفة عامة إنّ الفترة الحفصية أسّست الملامح الحضارية لتونس الحديثة مادياً ومعنوياً».

عيون متطفلة

واحد من أكثر مواضع الكتاب تشويقا تناولت الكاتبة «هندسة البيت العربي الإسلامي» ذاكرة أن لتقسيم المكان ولتصورات المجتمع وتمثلاته من المرأة وجسدها، تأثير على طريقة تصميم وهندسة البيت العربي الإسلامي، الذي يكاد يكون كله من أجل حجب المرأة، حجب جسد المرأة، وتأمينه وحصره داخل هذا الفضاء.

فضاء مغلق: أسوار عالية، أبواب مغلقة، سقايف متعددة، وذلك للمباعدة بين العالم الخارجي والعالم الداخلي.

وتضيف «فالمدينة الإسلامية تمتاز بحرص سكانها الشديد على صيانة دورهم وحريمهم من العيون الدخيلة المتطفلة. ولو أمعنا النظر في المثال العمراني العام للمدينة، لتبينا أن الهدف الأسمى الذي سعى إلى تحقيقه هذا المخطط، يتمثل في عزل المساكن ووضعها بعيدا عن مسالك التنقل».

اللاوعي الفردي والجماعي

تناول الكتاب ما تطارحته مصنفات الفقه الإسلامي حول الجسد، وجسد المرأة خصوصا، كما أبرز مدى اهتمام المجتمعات العربية الإسلامية بالجسد حيا وميتا، لافتا إلى أن المفاهيم السائدة، التي تعلقت وعلقت بالجسد الأنثوي، هي عبارة عن ترسبات وتراكمات تاريخية طويلة، تمتد جذورها حتى من العصور التي سبقت الإسلام.

هذه الثقافة الكابتة ما زالت أصداؤها فاعلة فينا، متردّدة في أفعالنا لم تتلاشَ تماماً من ذهنياتنا، بل بقيت كامنة ودفينة في اللاوعي الفردي والجماعي، فتحركنا من حيث نشعر ولا نشعر تحريكاً يتفاوت حسب الأفراد، وحسب قوة حنينهم إلى الماضي، دون تأمل الوضعية الحقيقية للمرأة، وموقفها من السلوك النموذج الذي حدّده لها الفقهاء، ووافق عليه المجتمع الذكوري.

صوفية السحيري بن حتيرة

باحثة في التاريخ الإسلامي الوسيط من أهمّ الباحثين الذين تناولوا التصورات الذهنية حول الجسد خصّصت بحثين أكاديميين حول الجسد الأنثوي للفترة الممتدة من القرن 13م إلى نهاية القرن 15م أنجزتِ أطروحة دكتوراه حول «الجسد» بمقاربة أنثروبولوجية.