في العقدين الماضيين ـ وخلال الخمسة عشر عاما الماضية على وجه التحديد ـ شهد العالم تحولات كبيرة في كثير من المجالات، والمجال التربوي من أهم المجالات التي طرأت عليها تطورات قد تصل في كثير من الجوانب إلى مستوى التغير الجذري، كل هذه التحولات تقود المهتمين بالشأن التربوي على مختلف المستويات إلى إعادة النظر في العديد من المجالات المتعلقة بالتعليم والتعلم، والتطبيقات التربوية والتقنية، والممارسات التربوية، وكل هذه التطورات تفرض علينا أن نعيد حساباتنا في مكونات العملية التعليمية، وأركانها المختلفة مثل: المناهج، والمعلم، والمتعلم، والمبنى المدرسي.

فمن الضروري أن نعيد النظر في المناهج وأهدافها، ومحتواها، وكيفية تنفيذها، وتقييمها، ومن يعتقد أن المناهج التي تطبق في مدارسنا في الوقت الحاضر تواكب هذه التطورات بشكل متكامل فهو بحاجة إلى أن يعيد النظر في ذلك الشعور، لأنه شعور غير صحيح، وغير موافق للواقع، ونظرته تقليدية.

لا بد من تطوير مناهجنا في ضوء التطورات الحديثة وتطبيقاتها المختلفة، فالأهداف لا بد أن نعيد صياغتها في ضوء الواقع الذي نعيشه، وفي ضوء متطلبات المتعلم، واحتياجات المجتمع وسوق العمل، كما أن محتوى هذه المناهج لا بد وأن يخرج عن الإطار الكلاسيكي المتمثل في النسخ المطبوعة لكتاب الطالب، وكتاب الأنشطة، وكتاب المعلم والتي يتم توزيعها على الطلاب، ويحملونها يوميا إلى مدارسهم، وقد لا يرجعون لها في كثير من الأوقات، ولا يستفيدون منها بشكل كبير، بل يعتمدون على شرح، وتلخيص المعلم للدروس، وهنا أتساءل أين نحن من الكتاب الإلكتروني، والمكتبة الإلكترونية، ومصادر التعلم الثرية بالمنتجات، والتطبيقات التربوية التقنية؟ فوزارة التربية والتعليم مسؤولة عن تطوير المناهج المدرسية في ضوء هذه المتغيرات، ومن ثم تطوير المقررات الدراسية التي هي تمثل محتوى هذه المناهج في نسخ الإلكترونية ويتم توزيعها على الطلاب بدلا من طباعة الكتب، وقد يكون ذلك ممكنا من خلال جعلها في موقع الوزارة بنسخ الإلكترونية قابلة للتحميل من قبل الطلاب بشكل ميسر.

وعند الحديث عن المعلم الذي هو المنفذ الحقيقي للمنهج فدوره تقليدي لا يتعدى نقل المعرفة للمتعلم، واستظهارها من خلال الاختبارات حتى وإن كانت هناك ورش عمل، ودورات تركز على توظيف استراتيجيات، وطرائق تدريس حديثة، ولا يلام المعلم كثيرا عندما يلتزم بالكلاسيكية في أثناء تأديته لعمله؛ لأن النهج السائد في البيئة المدرسية لديه، وفي المجتمع المدرسي حوله لا يختلف عما يقوم به، ولا أحد يحاول أن يعمل على توجيهه، ثم تقييمه، ثم محاسبته، فالمعلم لا بد وأن يدرك بأن متعلم اليوم يختلف عن متعلم الأمس جذريا، كما أن طريقة الإلقاء، والحفظ، والاستظهار التي يوظفها المعلم في أغلب تنفيذه للدروس التي يقدمها لطلابه لا تواكب عصرنا الحاضر في كثير من الجوانب، كما أن أغلب المعلمين يقومون بتدريس طلابهم بالطريقة التي تعلموا بها في أثناء فترة إعدادهم، وهي في الغالب لا تتعدى المحاضرة، والإلقاء، فمعلم اليوم لا بد أن يركز على عملية تعلم طلابه بالدرجة الأولى لا على تعليمهم، أو تدريسهم، فطالب اليوم بحاجة إلى توجيه، وإرشاد، ومساعدة، وليس بحاجة إلى تدريس بالمفهوم التقليدي للتدريس، كما أن معلم اليوم بحاجة للحصول على الحد الأدنى من المهارات والخبرات التقنية وتطبيقاتها التربوية لكي يكون قادرا على مواكبة هذه التطورات، ويدرك ما يحتاجه الطالب؛ لأن بعض المتعلمين قد يتفوقون على معلميهم في هذا الجانب، فالمعلم قد يكون في هذه الحالة هو المتعلم الذي يتعلم من الطالب، وهذا يتطلب تضمين مقررات تقنية متنوعة في برامج إعداد المعلم، وتدريب مكثف للمعلمين الذين على رأس العمل في مجال التقنية وتطبيقاتها التربوية المختلفة.

أما المتعلم في هذه الأيام فهو مختلف عن المتعلم في السابق، فمعلوماته، ومهاراته التقنية عالية، وبذلك فمتطلباته مختلفة بشكل كبير، ولهذا فلا بد أن يحدّث المنهج، ويلبي متطلبات المتعلم، وأن يكون إعداد المعلم مواكبا لمستجدات العصر، وأن يكون دور المعلم دورا قياديا، وميسرا، وموجها لعملية التعلم، وأن يتيح الفرصة للمتعلم للتعلم والوصول إلى المعلومة، ويكتشفها بنفسه بدلا من تقديمها له جاهزة، وأن يسهم في مساعدة المتعلم على اكتساب المهارات المختلفة بصورة وظيفية، وأن يعمل على اكتساب المتعلمين اتجاهات إيجابية نحو التعليم، والتعلم، وينمي لديهم القيم المرغوبة، وفي ضوء تواجد المعلم الناجح، والمنهج الحديث، والطالب المجتهد بدون مدرسة تتوافر بها البنية التحتية التي تضمن الحد الأدنى من المتطلبات التربوية لا يمكن أن تتحقق أهداف التعليم المرغوبة، ولذلك المدرسة بمبانيها الحديثة، وبمعاملها، ومختبراتها المجهزة، وبملاعبها المناسبة، وبقاعتها المجهزة تقنيا، وبمصادرها التربوية الغنية، جزء لا يتجزأ من المنظومة التعليمية الفاعلة، وهناك حاجة لتكامل هذه العناصر مع بعضها ليتم توفير بيئة تعليمية مناسبة للمتعلم في عصر التقنية، والمعلومات، وأخيرا فإنني أعطف، وأشفق على كثير من المعلمين التقليديين؛ لأن طلابهم يتفوقون عليهم في جوانب علمية، وتقنية كثيرة.