لقاء سمو ولي العهد الأمين الأخير، أفرز للناس بمختلف تخصصاتهم فوائد وفرائد دقيقة، ومن حيث التخصص توقف المهتمون بالعلم الشرعي عند الجوانب التي تطرق إليها سموه، وأظهر لهم فيها تعمقه في هذا الجانب التخصصي الدقيق؛ وهنا لن أتوقف إلا عند جانبين منها.

التوقف الأول، قوله، وفقه الله: «..أغلب المدونين للحديث يصنفون الحديث.. أنه حديث صحيح أو حسن أو ضعيف، لكن تصنيفا آخر هو الأهم: الحديث المتواتر والآحاد والخبر.. الحديث المتواتر.. أحاديث قليلة للغاية، وثباتها قوي جداً.. وحديث الآحاد غير ملزم بإلزامية الحديث المتواتر، (إلا) إذا اقترن بنصوص شرعية واضحة وبمصلحة دنيوية واضحة.. وهذا يشكل جزءاً قليلاً من أحاديثه- صلى الله عليه وسلم.. الخبر الذي هو عن فرد.. عن فرد.. عنه، صلى الله عليه وسلم، أو جماعة عن جماعة.. يشكل النسبة العظمى من الأحاديث، هذا لا يؤخذ به.. غير ثابت وغير ملزم.. الحكومة.. ملزمة بتطبيق نصوص القرآن والحديث المتواتر، وتنظر للحديث الآحاد بحسب صحته وضعفه ووضعه، ولا تنظر لأحاديث الخبر بتاتا، (إلا) إذا كان مستندا على مصلحة واضحة للإنسان».. هذا الجزء الدقيق من اللقاء، كان مثيرا لغير المتخصصين، وبعضهم ظنه خروجا عن سياق علماء أصول الحديث، ومن دون أي مجاملة أو غير ذلك أراه أصاب عين التخصص وكبده.

بداية، وبحسب كلام الحافظ بن حجر، في كتاب «نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر»: «(الخبر) عند علماء هذا الفن مرادف للحديث، وقيل: الحديث ما جاء عنه، صلى الله عليه وسلم، و(الخبر) عن غيره.. وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق: فكل حديث (خبر)، من غير عكس»، وحديث (الآحاد) وبحسب ما قاله الإمام نفسه هو: «ما لم يجمع شروط التواتر»؛ أما جزئية الإلزام الواردة في إجابات الأمير، والاستثناء المهم الذي ذكره، فقد ذكر الإمام ابن أبي العز، في شرح (العقيدة الطحاوية) شرط ذلك بقوله: «(إذا) تلقته الأمة بالقبول عملا به، وتصديقا له»، وليس في كلام الأمير إلا التأكيد بأنه إذا ثبت حديث الآحاد عنه، صلى الله عليه وسلم، كان حجة فيما دل عليه اعتقادا وعملا، وأنه لا يمكن إنكار الاحتجاج بحجيته، في العقيدة وغيرها، بعد إقامة الحجة على صحته، وثبوت سنده..

التوقف الثاني، قول سموه: «لا عقوبة على شأن ديني إلا بنص قرآني واضح، وتطبق هذه العقوبة بناء على كيفية تطبيقها في عصره، صلى الله عليه وسلم.. تأتي لتطبق نصاً شرعياً أو عقوبة بحجة أنها عقوبة شرعية ولا يوجد نص شرعي للمعاقبة في القرآن أو الحديث المتواتر؛ هذا تزييف للشريعة»؛ فهذه العبارات الوجيزة تقرير واضح للقاعدة الشرعية المشهورة بين أصحابها وهي: «لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص»، المعتمدة على جملة من الآيات الشريفة، ومنها قوله سبحانه في سورة القصص: «وما كان ربك مهلك ٱلقرى حتى يبعث فى أمها رسولاً يتلوا عليهم ءايٰتنا وما كنا مهلكى ٱلقرى إلا وأهلها ظلمون»، وتأكيد على المادة «38» للنظام الأساسي للحكم: «العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على نص شرعي، أو نص نظامي..»، وإشاعة جميلة بضرورة تبيين الأمور التي عليها عقاب، وأن العقوبات لا تجوز إلا على الأفعال المنصوص على تجريمها، وأنه لا يجوز تطبيق غير المنصوص عليه، وأنه لا جريمة إلا بعد (بيان)، ولا عقوبة إلا بعد (إنذار)، وأنه لا تجوز (شرعنة) الأحكام والأهواء.. اللهم احفظ عبدك محمد بن سلمان بحفظك، وارعه برعايتك، وحقق آماله، وحقق به آمالنا.