هؤلاء قوم مجانين بالفعل.. يمزجون الموسيقى العربية بما هو لاتيني بتوزيع جديد ونكهة لاذعة، فتخرج بتأثير سحري يجددها ويجعلها أكثر خفة. فالعرب في الموسيقى رتيبون إجمالا، ملتاعون بالجينات، أرواحهم بكائية، سريرتهم منقوشة بالوجد والحسرات، الدمع أستاذ التعابير، الحسرة منصتهم الشعورية العريضة.. تاريخ الموسيقى والغناء يشي بذا بسبب ما تركته المغنيات الأول في القصور السلطانية، حسب تحليلي البسيط. الغناء أنثوي والشعر ذكوري بامتياز وسيد الفنون، وما سواه يأتي لاحقا.. وظلت هذه النمطية طاغية على مدى قرون إلى أن جاء سيد درويش في بداية القرن العشرين فدمر هذه القواعد، ولحن وغنى للشارع.. للمتكسبة والمزارعين، ودس وسطها موقفه السياسي فأعطاها بعدا ثوريا ووطنيا، خطفها من قصور الأتراك نحو الأزقة والحقول والمزاج، مستفيدا من تكتيك بسيط هو المونولوج، لكن الانقلاب الموسيقي الكبير توقف برحيله.. مات درويش مع بلوغه مشارف الثلاثين لكنه ترك تراثا هائلا، في حين أن محمد عبدالوهاب كان له موقف طبقي من درويش وموسيقاه، إذ ظن أنه مجرد مخرب، وتلك بضع "طقطوقات".. حاول استيراد الموسيقى من أوروبا لكنها كانت عملية قاسية احتاجت أصواتا وشعراء من مستوى مرتفع، أعادها لقمة مدببة.. انتبه لهذا المأزق الرحابنة، فأدخلوا التأثير الديني بترانيمه وأجراسه التي جلجلت في صوت فيروز المدرب وقصائدهم البسيطة العميقة الشعرية. واليوم تأتي تجربة "كوك ستوديو" بمزيج "أرابلاتيني" صوتا وتوزيعا يعطيها شقاوة ونزقا وطيشا لطيفا.. نعيد اكتشاف موسيقانا بتجريبٍ فريد ومطربين مختلفين سلوكا وأزياء، وهذا جوهر فكرة الفن التي تصرخ بوجه النمط وتقف بقوة أمام سطوة الانطباع لتضيف شيئا.. فما فائدة الموسيقى إن لم تكن جنونا ومغايرة؟ وهذا ما يفعله هذا البرنامج بالضبط.