لم يكن بلبل الثورة يملك غير يدٍ وحنجرة قبل أن يعثر عليه مقتولاً في مياه نهر العاصي وقد اقتلع شبّيحة الغدر حنجرته وحطّموا يده.

قبيل اغتياله، وقف أمام نصف مليون متظاهر تجمعوا في ساحة العاصي وسط مدينة حماة ليسقط تابو الخوف الجاثم على قلوب الملايين بقصيدة (ارحل) الشهيرة، جاء فيها صوته "خاماً، فجاً، قوياً، كأصوات العمّال في ورشات البناء أو البائعين وراء عرباتهم في أسواق الفقراء" كما يصفه حسام عيتاني في صحيفة الحياة.

استطاع إبراهيم قاشوش أن يسقط النظام ورموزه بكلمات خرجت صادقة لم تعترها قيم الزيف والخداع والتزلف، لتنجلي هالة القداسة المخيفة عن رأس النظام وقدميه بوقوف شاعر أعزل أمام طاغية مدجج بالسلاح!

ليس الحدث المهم هو تجمع نصف مليون شخص بقدر ما هو أفول نجم الظلم وانتصار الحرية ولو لبعض الوقت، وهذا ما كان يحلم به القاشوش وقد تحقق لأسابيع شعرت خلالها السلطة بخيبتها وجرأة الشعب المعدم الأعزل عليها، فما كان منها إلا استنفرت كل قواها في محاولة لإعادة بعض الهيبة إلى من كان يرتديها، فظفرت بالشاعر وقتلته بطريقة بشعة إلا أنها تدل على مدى عمق الشرخ الذي صنعه الشاعر وأحدثته قصيدته في روح النظام وجسده.

لم تكن طريقة الانتقام عادية لأنها كانت تحمل مضموناً إعلامياً انتقامياً بهدف إسكات صوت الحرية وإخافة كل من يهذي بالحرية بأن مصيره الذبح وإن لم يتم اقتلاع الحنجرة التي كانت يوماً تصدح وتحطيم يده التي كانت تكتب، صحيحٌ أن الشاعر مات ولكن بقيت آثاره الشعرية رمزاً للثورة السورية تدعمها تقنية الإعلام الجديد الذي لم تستطع آلة الإعلام الرسمية إحكام سيطرتها عليها.. رغم أنها لو استطاعت ذلك لفعلتْ إلا أن قصيدة الشاعر، وقلم الكاتب، وعدسة الإعلامي، ستبقى شواهد معاصرة على ممارسات الطغيان وسلوكيات الطاغية حتى تحين ساعة الصفر، تلك الساعة التي تشبه موت الإسكندر الأكبر بعد أن صال وجال في الأرض وعاث فيها قتلاً وحروباً لينتهي ويتقاسم جيشه إمبراطوريته، ولكن هذه المرة لن يتقاسم الجيش الغنيمة بل سوف يعود طائر الفينيق متمثلاً شاعرية إبراهيم قاشوش وآماله بالحرية. مرّ اليوم أكثر من عام على انطلاقة شرارة الثورة السورية، لن تعود عجلة الزمن إلى الوراء ولكن قد تطول مدة مقاومة الشعب للطغيان بالدموع تارة وبالدماء تارات، وسوف يكون النصر نصراً ولو جاء متأخراً، حينها ستغني الحرية أعذب الأهازيج والألحان، وستنحني الوردة على قبور الشهداء وتُمطر السماء لتغسل الدموع والدماء، وتطْهُر الأرض من أدران الجنود، وتشرق الشمس معلنة بدء الصباح بعد ليل طويل، ويبتسم الثائرون بعد أن يترنم الأطفال:

سيدي الرئيس:

أتسمع الأحرار حين يَسألون؟

أمرتّين الشهداء يُقتلون؟

أطفالنا في الليل بعد يحلمون

من يُنقذ الأحلام حين ينعسون؟

يبدو أن الشاعر إبراهيم لم يكن لديه ما يخسره أمام الطاغية بعد أن خسر حريته ووطنه، وكان يعي مصيره تماماً لكنه لم يكن عابئاً به، أراد أن يسجل موقفاً لم يسجله أحد ففعل، لأنه يعي أن المحافظة على الحرية أصعب من الوصول، فقرر الوصول ولم يكن مقتنعاً بأنه يحافظ عليها حياً فحفظها ميتاً.

ثمة ما كان يسمى "المقاومة بالفن" فظهر ما أستطيع تسميته بـ"الثورة بالفن" معلناً فن الثورة بكل أشكال المقاومة المشروعة في ظل عدم وجود السلاح اللازم للمقاومة، حيث لم يعد سلاح إلا الكلمة والريشة والقلم والموسيقى، وصوت الحناجر الذي يفوق ضجيج الدبابات والمدرعات والهاون! ليشعر الطاغية بأنه وحيد وسط أرتال الجيش، لأن غربته في داخله، حيث فقد النظام شرعيته وآن له أن ينعت بالسقوط منذ اللحظة التاريخية التي قال فيها أولئك الأحرار: الشعب يريد إسقاط الطاغية.

ولم تعد المشكلة تتعلق بشاعر قال كلمته صراحة ومضى، بل إن أكبر إشكالية يواجهها النظام في سورية هي أنه يعتقد بأن الفرصة أمامه سانحة ليبقى.. معتمداً على أنظمة سياسية تشبهه في القمع وتزييف الحقيقة وتبادل الأدوار، ورغم كل قيود الجور والظلم والاستبداد سوف ينتصر الشاعر بحنجرته وقلمه على الطاغية بكل ما لديه من أسلحة وقوى وألاعيب استمرأها على مدى 40 عاماً.. ولكن بعد كل هذه العقود ستنتهي الحكاية بنهوض الشاعر وسقوط الطاغية والأمر قريب.