كنت أقرأ في أحد المنتديات السعودية عن موضوع لرجل بلغ به الجهل مبلغه، وسيطر على عقله الوهم مما جعله يغرق رضيعه ذا الستة أيام.

تبدأ القصة من حيث أن هذا الرجل أب لطفلتين، وأراد أخيراً إنجاب مولود (ذكر) فلجأ إلى أحد المواقع الإلكترونية المرخصة من وزارة الإعلام، يدعي فيه صاحبه بقدرته على اختيار جنس المولود، وذلك عن طريق حسابات معينة لتحديد أوقات الجماع بين الزوجين أو اتباع نظام غذائي معين، ووسائل أخرى تتفاوت في درجات تعقيدها وفرص نجاحها.

تواصل الرجل المذكور مع صاحب الموقع، واتبع نصائحه وتعليماته فحملت زوجته، وإلى أن بلغت الشهور الأخيرة من الحمل والأطباء يؤكدون له أنها حامل بأنثى، وذلك بعكس الرجل صاحب الموقع الذي قال له بأن زوجته ستنجب مولودا ذكرا.. فظل صاحبنا في حيرة من أمره إلى حين ولادة زوجته وفوجئ بمولود ذكر.

جن جنون الأب وظن أن هناك عملا شيطانيا حول صغيره من أنثى إلى ذكر، ثم هدد في المنتدى المذكور بقتل طفله الذي أطلق عليه اسم "مسخ".

وبعد عدة أيام فوجئنا جميعا بخبر في أحد المواقع الإخبارية وقد ذُكر فيه أن أبا سعوديا قام بإغراق طفله بالخطأ حتى الموت، ثم بكل دم بارد اعترف الرجل في المنتدى أنه هو الأب المقصود في الموقع الإخباري. ولم أعلم بعد ذلك ما الإجراء الذي اتخذته الجهات المختصة حيال الأب.

هذه الحادثة جعلتني أفكر كثيراً في مدى الانحراف الفكري عند بعض فئات المجتمع، حتى أن بعض الأمور العلمية المعروفة أصبح البعض يتعامل معها وكأنها سحر وشعوذة.

لست هنا بصدد إثبات أو نفي عملية السحر، لكني أسلط الضوء على جريمة في مجتمعنا السعودي راح ضحيتها رضيع بسبب الجهل القابع في رأس والده.

القصة تجعلنا نتساءل ما هي نسبة الخرافة في إدراكنا للموجودات وفي طرائق تفكيرنا؟ رغم دخولنا في الألفية الثالثة، ورغم التقدم العلمي الهائل، ما زلنا نرى ثقافة الوهم والخرافة تسيطر على العقول ويؤمن بها الكثير من الناس.

وبنظرة فاحصة للمجتمعات الإنسانية على مر العصور نستطيع أن ندرك بأن السحر يمتلك نفوذه حين يغيب العلم، وهذا معناه أن كل تقدم في ميدان العلم لا بد أن يؤدي إلى انحسار سلطان السحر، فنظراً لأقدمية السحر التاريخية بالنسبة إلى العلم، تمكّن هذا الأخير من تدارك أخطاء الأول، فلقد بينت المكتشفات الأثرية - التي يعود تاريخها إلى العصر الحجري القديم - ممارسة الإنسان في ذلك الحين لمختلف الطقوس السحرية، وذلك في سبيل الحصول على مستلزمات عيشه.

ومن الواضح أن الإنسان في المجتمعات القديمة كان يلجأ إلى الشعوذة باعتباره كان يفتقر من جهة إلى الخبرة المعرفية الكافية التي تمكّنه من توفير ضروراته الحياتية؛ كما أنه من جهة أخرى كان لا يشك في قدرة السحر وأهمية تقنياته، بل اعتبر أن ممارسة السحر ضرورة لا بد منها عن طريق إخضاع الحوادث الطبيعية للإرادة البشرية، وحماية الفرد من الأعداء والأخطار ومنحه القوة لإلحاق الضرر بأعدائه.

وفي هذا يقول عالم الآثار الأمريكي إدوارد كييرا "لو لم يكن عندنا في الماضي تلك السلسلة من المحاولات غير المجدية التي ازدريناها ونبذناها باسم السحر لما وجدت علومنا الحاضرة. فهل بعد هذا نكون مجبرين على ارتكاب الأخطاء التي كان العلماء القدماء مرغمين على ارتكابها في الماضي".

قد أتقبل هيمنة السحر والشعوذة على عقل الإنسان القديم، لكن أن تطال الخرافة أمورا علمية بحتة وتؤثر على حياة الإنسان الحالي بشكل يجعله متشككا طوال يومه من مس الجن والسحر، ويمحور حياته حول مخاوف وهواجس لا أساس لها من الصحة، فهذا ما لا أستطيع تقبله أو إدراكه.

أخيراً يجب أن نعرف أن الخرافة وأساطير السحر والشعوذة تنتشر بفعل عوامل عدة أبرزها الجهل، وعدم القدرة على استيعاب الإنتاج العلمي، والاستفادة منه كما ينبغي.

إذن نحن بحاجة إلى خطاب علمي قوي، يوضح الاختلافات بين السحر والعلم وبين الخرافة والحقيقة، حتى لا نرى في المستقبل من يقتل ابنه ظناً منه أنه مسحور.