بعد أن كانت الغترة البيضاء والشماغ الأحمر هما فقط من يزينان رأس السعودي، ويكملان زيه المعروف والمعتاد، غزت الغتر والأشمغة الملونة رؤوس الشباب الذين باتوا يتسابقون لارتدائها فيما يشبه الظاهرة التي تخطت الحالات الفردية، لكنها ظاهرة قسمت المتابعين بين من يراها حرية وخيارًا شخصيًّا، وبين من يراها أمرًا دخيلًا سيئًا على الأخص حين يتم ارتداؤها في الأماكن العامة والمناسبات، مطالبين بالالتزام بالزي السعودي المقتصر على لبس الشماغ الأحمر والغترة البيضاء.

الآداب العامة

يقول أخصائي أول اجتماعي عبدالرحمن جان «توجه الشباب السعودي إلى لبس الغتر الملونة مثل الأسود والبني في المناسبات العامة وابتعادهم عن ارتداء الزي السعودي المعروف كالشماغ الأحمر والغترة البيضاء، هو توجه أراه من منظر اجتماعي لا بأس فيه طالما أنه يتم في حدود احترام الآداب العامة، وغير خادش للحياء، وليس به تشبه بالفتيات، ولا ميوعة، والمسألة فقط مسألة اتجاه نحو تغيير الألوان مع تجنب الألوان النسائية كالبنفسجي والبمبي مثلاً، وبالتالي ليس في الأمر شيء إذا كان هدف الشباب من تغيير الزي السعودي إلى ألوان أخرى كالبني والأسود والسكري والرمادي والكحلي هو مجرد التجمل المحمود، والأناقة، ولاسيما عندما يرتدون ذلك في المناسبات العامة، كما لا أرى مانعًا من ارتداء تلك الأشمغة والغتر حتى في الدوائر الحكومية، شريطة ألا تكون ذات ألوان صارخة، ولا ألوان متعددة كالكاروهات والتي تحول شكل الشاب إلى مهرج في السيرك، أما الألوان السادة القاتمة المنسقة التي تضفي جمالاً على الشاب، فهي مطلوبة لأن الاعتناء بالمظهر العام مطلوب، والتغيير في الملبس مطلوب أيضًا، ومقبول اجتماعيًا».

التنوع والتجديد

يضيف جان «لا بد أن يعلم الشباب أن حب الوطن في القلب وبالمحافظة على ممتلكاته وثرواته والدفاع عنه، ولا يؤثر التنويع في اللون على الهوية الوطنية، وأدعو إلى عدم منع الشباب من التغيير في اللباس والألوان مع الزي السعودي والتغيير بينهما من باب التنوع في اللباس والتجديد، وقد قيل «لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم»، وأرى أن الآثار الوحيدة التي ينبغي على المربين أن يكرهوا أولادهم عليها هي المحافظة على الآداب الشرعية والأخلاق الفاضلة كالصدق، والأمانة، وترك المعصية، ولزوم الطاعة، فهذه الآداب ثوابت ومبادئ يجب ألا تتغير، وهي صالحة لكل زمان ومكان، أما إكراه الشباب على عدم التغيير والتنوع في اللبس فهذا لا يجوز، ولا ينبغي منعهم، ولا بد أن نترك لهم الحرية الشخصية في اختيار اللبس ولكن في إطار الحدود الشرعية، ومن جانب آخر كيف نمنع الشباب من الاتجاه إلى لبس الغتر الملونة وأسواقنا المحلية تعج بها».

وختم «يبقى الزي السعودي هو فخر وشرف لنا كسعوديين وينبغي أن يكون على رأس قائمة الملابس التي نرتديها ففيه الأصالة والعروبة والتمسك بعاداتنا وتقاليدنا الجميلة».

تخلي الشباب

يقول عبدالله آل عباس، وهو متقاعد من التعليم «معروف في المثل الشعبي «اللي ما له ماضٍ ما له حاضر» والناس منذ القِدَم يعتزّون ويفتخرون بما لهم من عادات قديمة ومبادئ ولباس ويتباهون بها بين الأمم ويحافظون عليها بقدر ما يستطيعون ولا يفرطون فيها أبدًا ولا يرضون المساس بها ولا الاعتداء عليها ولا انتقادها ويرفضون التقليد للآخرين ويعتبرونه عارًا عليهم، وأنهم إذا قلّدوا أحدًا فإنهم يكونون تبعًا له، وهذا عارٌ عند العرب، وللأسف الشديد فإن ما نراه اليوم من تخلّي بعض شبابنا عن بعض تلك العادات الجميلة الرائعة في بعض لباسهم ويستعملون بدلًا عنها الغتر الملونة بالأسود والبنّي والأزرق والأسود وغيرها، وتخليهم عن الغتر البيضاء والشماغ الأحمر اللذين يرمزان إلى اللباس والزيّ العربي السعودي ويرضون على أنفسهم بأن يكونوا تابعين للآخرين من أصحاب ذلك اللباس فمن وجهة نظري أرى أن ذلك عزوفًا وتخلِّيًّا عن مبادئهم والاهتمام بتقليد غيرهم من باب التقليد الأعمى دون النظر إلى العواقب السيئة التي تعود على المجتمع خاصةً الشباب منه».

اللباس المعروف

يضيف الشاب يحيى آل قريع أن «لكل بلد في العالم تراثه وزيه الذي يفتخر ويعتز فيه، كما أن لنا تراثنا وزينا الوطني السعودي بغض النظر عن اختلاف بعض اللباس والزي والتراث في كل منطقة ولكنها تتفق جميعها على الثوب والغترة البيضاء أو الحمراء والعقال والبشت وغيرها من أنواع اللباس المعروف، وفي الآونة الأخيرة وللأسف ألاحظ بعضًا من الشباب يلبسون وبشكل مستمر حتى في المناسبات الرسمية أنواعًا من الغتر ذات الألوان المختلفة الأزرق والبني والأخضر وغيرها من الألوان، بطرقِ لباسٍ مختلفة، وأصبح البعض يعتبرها من التراث، وهي في الأصل دخيلةً علينا، وليست من لباس الآباءِ والأجداد فيجب علينا جميعًا نصح الشباب وتوضيح ذلك لهم لنحافظ على موروثنا في الزي حتى لا نهمله وندعه يندثر مع الأيام، هذا واجبنا للمحافظة عليه والاعتزاز به».

التقليد الأعمى

يذكر مدير كلية الغد الدولية للعلوم الطبية التطبيقية بنجران عبدالله الخنجف «تعددت الألوان والسبب واحد».

ويضيف «فكرت في الهوية والقدوة عند تناولي لهذا الموضوع، ومحاولتي الإمساك برأس خيطه، وفجأة وجدت أحد طلابي وقد دخل علي في مكتبي وهو يلوي الشماغ (ملون) على رأسه، فسألته يا محمد تعجبني ملابسك وهي حرية شخصية أن ترتدي ملابسك، ولكن لدي فضول عن سبب أن يكون شماغك بهذا اللون وليس الغترة أو الشماغ السعودية المعروفة؟!

هل تساعدني في الإجابة على سؤال يدور في خلدي منذ سنوات؟

قال لي (أبشر) سألته (ليه هذي الألوان عند الشباب بكثرة)؟

وبعد صمت قال نحن الشباب الصغار نتابع وسائل التواصل بكثرة ويوجد فيها مشاهير كثير يلبسونها فنحاول أن نقلدهم.. وهنا ساد الصمت، شكرته على صراحته في الإجابة».

ويرى الخنجف أن سبب ذلك هو عدم وجود قدوة (موجه) في الأسرة فيلجأ أبناؤنا لاستيراد نموذج يقلدونه من الخارج، ويقول «الأزمة هنا هي أزمة بين جيلين، جيل الآباء وثقافتهم ومدى معرفتهم بالمسؤولية تجاه الأبناء، وجيل الشباب الذي أصبح متعدد الموارد في تكوين شخصيته، وكذلك يرجع إلى دور الأسرة بالدرجة الأولى ودور المدرسة بالدرجة الثانية ودور المجتمع المحيط لغرس هوية الأبناء، الهوية الوطنية السعودية، وليس الهوية المستوردة».

ويكمل «لا أعني هنا فقط ارتداء الغترة الملونة فقط، فمثلما أن هذه أحد الظواهر الملاحظة أخيرًا نجد في المقابل بعض الأبناء ممن لا يرتدي أصلًا الغترة أو الشماغ ولا يعرفها إلا يوم العيد أو في المناسبات الرسمية».

دور المجتمع

يتابع الخنجف «في ظل وجود فضاء مفتوح سواء وسائل التواصل أو القنوات الفضائية ووجود جنسيات متعددة في أرض الخير مملكتنا الحبيبة التي تحتضن عددًا من الجنسيات ممن قدموا سواء للعمل أو الزيارة أو السياحة، فإنه من الطبيعي أن يؤثر ذلك في المجتمع سلبًا وإيجابًا، ولكن يبقي دور الوالدين والمعلمين وأفراد المجتمع دور مهم جدًا في تصحيح ما قد يغير الهوية الوطنية والهوية الشخصية للأبناء، كذلك لا نهمل ونغفل عن الدور الجوهري والمهم للزملاء الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية التي يجب أن تسلط الضوء على هذه القيم والعادات والتقاليد التي تعزز الهوية الوطنية لهؤلاء النشيء الذين هم في سن التوجيه والبناء كما يجدر أن لا أنسى الدور المهم الذي يجب أن يُقدم من جمعيات الثقافة والفنون وجمعيات المجتمع المدني لإبراز ثقافة مجتمعنا وهويته والحرص على تقديمه سواء بشكل فردي أو بالتعاون مع المدارس والكليات والمعاهد».

مقاومة للاتساخ

يذكر الراوي التراثي ناصر الصقور أن «انتشار الغتر الملونة أتى من الخليج ومن اليمن، وانتشرت مع البادية وأهل الإبل في البداية، وكان ذا منفعة لهم خصوصًا في الشتاء لسماكة أقمشتها، ولأنها «عملية» أي تستخدم في بعض الأعمال أو المهن أكثر من الغترة البيضاء التي يظهر عليها التراب وأبسط اتساخ، وهي عملية أكثر من الشماغ الذي تتفتل خيوطه عند النشوب في الأسلاك الشائكة الموجودة حول مواقع الإبل والأغنام، ومع وجود مهرجانات مزاين الإبل واللقاءات التلفزيونية مع الملاك انتشرت تلك الغتر مع الشباب الذين يحضرون المزايين للفرجة وأصبحت موضة لديهم».

وأضاف «ارتداء الغتر الملونة حاليًا من وجهة نظري يعود للمثل الذي يقول «لكل حزة لبوس» فإن كان الشاب يعمل في أعمال تتطلب مجهودًا مثل العمل في مزرعة أو مع المواشي أو في رحلة برية أو في فترة الشتاء فلا بأس، أما في المناسبات أو الحياة اليومية فأدعو الشباب إلى لبس الغترة البيضاء أو الشماغ والحفاظ على موروث الآباء والأجداد، أما الأقمشة قديمًا فكانت لونين فقط أبيض ويسمى «قماش» مثل قماش «أبوعربية») ثم بعدها «التترون»، و«الطاقة» وهو قماش أسود تستخدمه النساء ومنه أنواع مثل «ختم النجار» الذي يكون عليه ختم ذهبي مكتوب النجار وكانوا يصبغون القماش الأبيض بالأعشاب والمساحيق المتوفرة مثل شجر العضلم ومسحوق النيلة أو تلبس النساء الثوب الأبيض تحت الأسود حتى يكتسب لون مقارب للأزرق.

أنواع الغتر

يضيف الصقور أن «الغتر» كانت عدة أنواع، الشعاري وهو لونان من الصوف أسود وبني مهدبة أطرافه، وطاقة وهي نفس نوع قماش النساء ولكن شكل القماش مثلث أسود أطرافه مهدبة بأهداب بسيطة، والشال مصنوع من الصوف وملون بالأحمر، وفتقة وهو منديل مخيطة أطرافه لونه أبيض، و«زبد الرخال» وهي غترة بيضاء ناعمة من لحاء المرخ وحذوة سوداء في أطرافها وهي في فترة متأخرة عن الأنواع السابقة وكانت تشترى من مكة المكرمة، و«أبو حذوة» غترة صوف بيضاء بطرفها حذوة جميلة أي نقوش بأطرافها وكان يلبس على أي نوع من الأنواع السابقة «غرو» وهو حبل مصنوع من شعر الماعز يلف على الرأس ثلاث لفات وبديله الآن العقال وأقرب شبه له هو نهايات العقال القطري من الوراء.

حجج المؤيدين للبس الغتر والأشمغة الملونة

- حرية لا بأس بها طالما أنها تتم في حدود احترام الآداب العامة

- التغيير هدفه التجمل المحمود، والأناقة وهو مقبول اجتماعيًّا

- تنوع ألوان الغتر لا يؤثر على الهوية الوطنية

- التغيير يستهدف التجديد

- لا يمكن منع لبس الغتر والأشمغة الملونة والأسواق المحلية تعج بها

- الغتر الملونة مفيدة في بعض الفصول مثل الشتاء

- قد تكون عملية أكثر من الغترة البيضاء والشماغ

حجج الرافضين لها

- من ليس له ماض ليس له حاضر

- التغيير جاء من قبيل تقليد الآخرين والتبعية لهم

- الغترة البيضاء والشماغ الأحمر يرمزان إلى الزيّ السعودي

- المحافظة على الموروث في الزي أمر مطلوب