مفهوم «العيب» من القضايا الاجتماعية التي تلقي بظلالها على الحياة وتختلف باختلاف المكان والثقافة المجتمعية، وامتدت آثارها إلى صميم العلاقة الزوجية الحميمية، وأصبحت من الممنوعات التي لا يمكن التصريح بها داخل إطار بالرغم من عدم وجود موانع شرعية تمنع الحديث فيها، مما يؤدي إلى نتائج سلبية في عدد من الجوانب الحياتية، مع أن القرآن وصف علاقة الزوجين بأنه يكونا لباسا لبعضهما بعضا، وصرّح الحديث النبوي الشريف بتذوق عسيلة الرجل والمرأة، فالعلاقة الحميمية ليست عيبًا بينهما، فهي احتواء كاللباس وشهية كالعسل، ومع ذلك ينظر لها البعض إن تحدثوا عنها في عش الزوجية وكأنهم ارتكبوا جريمة أو منكرًا من القول.

محاورة لتلبية الاحتياج

تقول س.م، وهي زوجة ثلاثينية وأم لثلاثة أطفال أنها سئمت من عدم اكتفائها في حياتها الجنسية مع زوجها، وأنها عندما حاولت أن تتحاور معه لتعبر عن حاجاتها لم تستطع خوفًا من نظرته لها، وكذلك خوفًا من أن تراوده شكوك وأسئلة مثل: كيف عرفت هذه الحاجات؟، حيث أنها تقول إنها تربت على مفهوم «عيب البنت تتكلم في هذه الأمور» وأن الفتاة التي تصرح برغباتها هي فتاة «جريئة» وفي الوقت نفسه لن تستطيع طلب الطلاق لهذا السبب خوفًا من نظرة الناس لها أنها على أنها امرأة غير سوية ونحو ذلك.

مصارحة في الرغبة

لا يقتصر عدم الاكتفاء الجنسي في إطار العلاقة الزوجية على المرأة وحدها، فالأمر سيان بين الرجل والمرأة، وتقول (أ.ي)، إن والدها حدثها كونها البنت الكبرى عن قراره بالزواج من أخرى وصارحها بأنه لا يشعر بالاكتفاء مع والدتها وأنها صارت تتبنى مفهوم «كبرنا على هذه الأمور» فيما يخص العلاقة الحميمية كلما حاول الحديث معها بشأنها.

وتابعت «أبلغني والدي برغبته ليس للاستئذان مني، بل لأنه حرص على ألا ألومه وأسأله عن سبب إقدامه على الزواج الثاني بالرغم من أنه صار جدا، وتجاوز الستين».

تعويض مشتت

في الوقت الذي كتبت فيه إحداهن رغباتها على مضض، وبحث آخر عن زوجة ثانية، ذهب أحد الأزواج (على مشارف الخمسين) بعيدًا، وصرّح بأنه ابتعد عن زوجته، واستعاض عنها علاقته الحميمية معها بالممارسة الحميمية عبر مشاهدة الأفلام الجنسية بعد أن حاول بشتى الطرق أن يقنعها بالخروج من دائرة النمطية في العلاقة، رغم أنه لم يطلب منها ما ينافي الدين، ولهذا يقول إنه «أصبحت أمارس العلاقة الحميمية معها بين فترة وأخرى فقط لأداء الواجب، ولأجل أن تستمر الحياة بيننا خصوصًا أن لنا أبناء».

تلميح وتصريح

تقول ح.س، وهي زوجة تخطت الخمسين من عمرها أنها ما زالت ترغب في العلاقة الحميمية، وتحاول أن تلفت نظر زوجها بالكلام المباشر أو التلميحات، لكنه مقتنع تمامًا أن هذا الأمر حاليًا لا يصحّ وبعبارته العامية «استحي يا يا مَرَة صرتي جدّة!!!!»

آثار عدم الاكتفاء

تؤكد مرشدة الزواج والعائلة دانية بابكير أن «عدم القدرة على التصريح بالرغبة الجنسية أو الحاجة للكلمات العاطفية من أكبر المشاكل التي أشاهدها عبر عيادتي الإلكترونية، حتى في حال قدوم الزوجين للشكوى عن مشكلة أخرى ليس لها علاقة بالعلاقة الحميمية نهائيًا، ولكن يتحتّم عملي كمرشدة زواج وعائلة سؤالهما عن جودة علاقتهما الحميمية، فيظهر لي أن السبب خلف هذه المشكلة «القائمة» هو فتور في العلاقة الحميمية أو إحباط في العلاقة الجنسية، وكذلك الفراغ العاطفي بسبب عدم وجود كلمات حب وتعبير بينهم، مما يتسبب بشكل كبير في الإحباط عند المرأة».

وتضيف «للأسف الشديد قادت مثل هذه الأمور، وفي الآونة الأخيرة، بعض السيدات إلى البحث عن علاقات خارج إطار الزواج، وذلك لعدم قدرتها عن أن تعبر أمام زوجها عن احتياجها، الأمر الذي يسبب لها الاكتئاب، ويقودها في المحصلة إلى الوقوع في الخطأ، وكذلك الأمر بالنسبة للرجل، ولذا علينا أن نضع في عين الاعتبار أن ثقافة العيب سبب في تدمير العلاقة».

وتكمل «لهذا الأمر تأثير كبير جدًا على استقرار الأسرة، وشخصيًّا أجريت استفتاء بسيطًا على صفحتي في الأنستجرام، وأجاب حوالي 99 % من المشاركين بأنهم سيفكرون جديا في عدم إكمال الحياة الزوجية بسبب عدم الاكتفاء الجنسي».

أكثر انفتاحًا

خلافًا للرؤية السوداوية لعدد من الأزواج المتخصصين، ترى الاستشارية الأسرية هند خليفة أن «الأزواج حاليًا أكثر انفتاحًا في الحديث عن المسائل الحميمية لعلاقتهما، بل أن البعض قد يبالغ في هذا الانفتاح حد وصول متطلباته إلى أمور محرمة، وبالنسبة للأزواج الكبار في السن فقد اقتبسوا كثيرًا من الجرأة الحاصلة، كما أن كثيرًا من النساء صرن حاليًا أكثر جرأة، وهن يصرحن لأزواجهن بأنهن في حال عدم اكتفائهن سيطلبن الطلاق، أو تطلب الزوجة من زوجها أن يتعاطى بعض المقويات والأدوية في حال عدم استطاعته القيام بالعلاقة، بل وحاليًا أصبح الرجال يخافون من أن تتركهم زوجاتهن إن لم يستطيعوا إرضاءهن».

الخجل عند الرجال

لا يقتصر الحياء من التصريح والعجز عن تخطي ثقافة أو مفهوم العيب على النساء وحدهن، فمشكلة عدم القدرة على الحديث بهذا الأمر بأريحية موجودة كذلك عند الرجال، وتقول بابكير «هناك كثير من الرجال يخجلون من ممارسة العلاقة الجنسية بأوضاع جديدة أو مختلفة غير تلك التي اعتادتها زوجاتهن، وذلك لأنه يرى في الأمر احتراما لها، ويرى أنه لو طلب منها تغيير الوضعية أو تحدث معها بحميمية فسيكون في حديثه وطلبه «عيب»، وهذا الذي يعد من أكثر الأمور غرابة حيث أنه ربط المتعة الجنسية بالعيب، وقنّن العلاقة فقط في تكوين أسرة وإنجاب أطفال فقط، وبالتالي لا يستمتع الزوج مع زوجته مما يؤدي للزواج بأخرى أو إقامة علاقات غير شرعية».

الأثر النفسي

يترك عدم الاكتفاء الجنسي بين الزوجين، وعدم القدرة على التصريح بالاحتياجات الجنسية أثره النفسي على علاقتهما، وهو ما يتحدث عنه استشاري الطب النفسي الدكتور وليد السحيباني، موضحًا أن «العلاقة الحميمية جزء من الزواج، ونحن كمجتمع شرقي نجد الحديث في هذا الموضوع صعب جدا على الطرفين، ونجده كذلك في المجتمعات الغربية ولكن بشكل أقل».

وتابع «للزوج متطلبات وكذلك للزوجة، ويحق لهما من الناحية الشرعية بلا شك الحديث عنها، ولكن من الناحية المجتمعية يجدان الحوار فيها صعبًا، والقصور في العلاقة الحميمية بين الزوجين سواء من ناحية الزوج أو الزوجة يكون محتملًا لفترة قصيرة الأمد، ولكن في حال كان التقصير طويلًا سيتسبب بآثار سلبية على الرباط الزوجي».

وأشار إلى أنه في حال لم يكن هناك إشباع جنسي بين الزوجين وعدم ارتياح في العلاقة الحميمية سواء في بداية العلاقة أو أثناءها، فإن الأمر ينعكس بشكل سلبي على نفسية الطرفين، وقد يتسبب في حدوث آثار نفسية كالاكتئاب أو القلق أو التوتر أو حتى اختفاء الرغبة الجنسية أو تجنب العلاقة الجنسية مما يؤثر في النهاية على ديمومة الزواج.

لكن السحيباني يرى أن «الحديث في مثل هذه الأمور أصعب على المرأة من الرجل، وذلك لارتباط المسألة مجتمعيًا بالعيب».

وبدورها، تعود بابكير للتأكيد على أن «العلاقة الحميمية مهمة وضرورية بين الزوجين حتى إن كان الزوجان متفقان في كل الأمور لأن هذه العلاقة هي التي تعطي الحياة الزوجية خصوصيتها واختلافها، ولذلك عدم القدرة على التعبير والتصريح بالرغبات يجعل الزوجان يشعران بعدم الارتياح».

كبرنا على هذه الحاجات

عن ربط السن بالعلاقة الحميمية، بيّنت بابكير «توجد هذه المشكلة للأسف بشكل كبير، وذلك لأن النظرة لمفهوم العلاقة الجنسية من الناحية المجتمعية هو «عيب»، وأحد التابوهات التي لا ينبغي الحديث عنها، وعليه ترتبط المسألة في أنها فقط محصورة على فئة الشباب، وأن البحث عن اللذة الجنسية للأكبر هو أمر غير مقبول و«عيب» وكأن لهذه العلاقة عمر افتراضي». وتابعت بابكير «حاليًا نجد أن هناك وعيًّا في العلاقة الجنسية، ونرى سيدات يبلغن الخمسين - وهن لسن كبيرات من وجهة نظري - وأصبحن جدات، لكن لديها هذا الفراغ العاطفي والاحتياج، ويخجلن من التعبير عنه لأزوجهن، وحتى في حال تعبيرها تجد الصد منه، والعكس كذلك فنجد الزوج يرغب في العلاقة الجنسية والاستمتاع بها والسفر سويًّا ونحو ذلك بينما الزوجة هي من تقوم بالرفض بحجة «كبرنا على هذه الحاجات».

وفي هذا الصدد، قالت خليفة مسألة «السن» عند الرجل ليست عائقًا لاستمتاعه مع زوجته فقد نجد رجل في الستين ومنفتح جدًّا في هذه المسألة بينما لا نجد ذلك مثلا في العمر الأصغر، فالمسألة تعتمد على العقلية والنظرة للعلاقة الحميمية بين الزوجين وليس العمر.

منعكسات التحرر من مفهوم العيب في علاقة الزوجين

ـ إشباع حاجاتهما الجنسية والعاطفية.

ـ يزيد علاقتهما قوة وانسجامًا.

ـ يشيع أجواء مريحة في بيت الأسرة.

ـ يقلل طلبات الطلاق التي تزدحم بها ملفات المحاكم.

ـ يقلص عدد الخيانات الزوجية المحتملة.

ممارسات يفرضها مفهوم العيب

ـ عدم تصريح الرجل والمرأة بحاجتهما للإشباع الجنسي.

ـ خشية الزوجة من ظن الزوج بها عند التصريح.

ـ لجوء البعض للبحث عن الإشباع خارج إطار الزوجية.

ـ قصر العلاقة الزوجية على مسألة الإنجاب.

ـ تفكير نمطي بأن اللذة الجنسية حكر على الصغار والشباب.