في مقال سابق رددت فيه على مقال لوفاء الرشيد الذي عنونته بـ«الدين ليس سياسة»، بينت فيه عدم صحة القول بفصل الدين عن نظام الحكم، لأن السياسة الشرعية من الدين، وذكرت أن سياسة المملكة تقوم على الكتاب والسنة، ونقلت نصوصاً من النظام الأساسي للحكم، وقبل ذلك بينت النصوص الشرعية التي تدل على أن السياسة الشرعية من الدين، وذكرت أن اعتقادنا البيعة الشرعية في إمامة ولاة أمورنا أصل عقدي، ولكنها لم تتأمل ما ذكرته، بل بادرت بالرد بمقال آخر، وقد زادت فيه جملة من الاتهامات، والشخصنة، وما لا علاقة له بموضوع البحث، ولن أعاملها بالمثل، لأن هدفي فقط هو النصح والبيان، ولذلك سأكتفي بالكلام العلمي النافع، وأسأل الله الإخلاص والسداد

فأقول وبالله التوفيق:

1- يجب أن يعلم أن أصحاب المنهج الليبرالي والإخواني يقللون من شأن إمامة إمام المسلمين، يفعلون ذلك، ليهونوا من شأن ولايته، وليصلوا إلى الحكم عن طريق الثورات والخروج على الحكام، وقد رأينا بعض الإخوانيين والليبراليين في ما يسمى «الربيع العربي» يؤيدون الثورات لأنهم لا يعتقدون إمامة ولاة الأمور، بل يرون الخروج عليهم، وتغريدات بعضهم في التهوين من شأن الوطن، وفي شأن الثورات لإسقاط الحكام، موجودة، تشهد عليهم، وقد يستغلون بعض الطرح الفكري في بعض المقالات لصالحهم، مما يوجب على الإنسان أن يتكلم بعلم وعدل وفقه للمآلات، وإلا فحسبه السكوت إن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا أقوله نصيحة عامة، ولا أعني به شخصاً بعينه.

2- صاحبة المقال لا تستدل بالكتاب والسنة ألبتة، وإنما تستدل بكلام لابن تيمية وابن القيم، ويظهر لي أنها لم تفهمه، وبكلام للغزالي والتفتازاني اللذين هما من علماء الأشاعرة ووهمت، أو أوهمها غيرها، أنهما من علماء أهل السنة، أما نقلها عن ابن تيمية وابن القيم فهو عليها لا لها، فردود ابن تيمية على ابن الحلي في كتابه «منهاج السنة» إنما يبطل فيه اعتقاد الشيعة أن العصمة لأئمة منصوص عليهم من الله واجب الاعتقاد، ولم يجعل ابن تيمية مسألة الإمامة التي عليها أهل السنة من الفروع أو الظنيات، وقد قال في كتابه السياسة الشرعية: «يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها»، أيظن عاقل أن ما هو من أعظم واجبات الدين، ولا قيام للدين والدنيا إلا به، ليس أصلا عقديا؟!

وصاحبة المقال لا تفرق بين الإمامة عند الشيعة الاثني عشرية التي يرونها ثابتة بالوصية بالنص والإمامة عند أهل السنة، التي يرونها عقيدة فيمن يتم اختياره إماماً والبيعة له، فبطلان اعتقاد الشيعة بأئمة معصومين، لا يعني أن اعتقادنا لإمامة أئمتنا ليس أصلا عقديا، فالكاتبة توهمت، فقاست هذا على هذا، وهو قياس مع الفارق، فأهل السنة لا يعتقدون في أئمتهم العصمة، ولا أنهم بأسمائهم معينين من الله، كما أنها لا تفرق بين الأمور التفصيلية في اختيار الإمام، والأصل العقدي والبيعة لمن يكون إماما للمسلمين يسوسهم بالكتاب والسنة، وخلطت بينهما وجعلت الكل أمرا فرعيا، وأما ما ذكرته عن التفتازاني الأشعري، فإنه صرح بأن الإمامة من الأمور الكلية التي تتعلق بها مصالح دينية ودنيوية لا ينتظم الأمر إلا بحصولها، وهي تدعي أن الإمامة أمر سياسي، ليس من الدين، بينما «التفتازاني» الذي استشهدت به، يجعل المصالح الدينية والدنيوية لا تنتظم إلا بالإمامة، فهذا دليل عليها لا لها.

إننا نعتقد أن إمام المسلمين في بلادنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز إمام شرعي، وبيعته أصل عقدي وليس أمرا ظنيا ولا فرعيا، ونعتقد كذلك أن من مات الآن من المواطنين وليس في عنقه بيعة لإمامنا الملك سلمان بن عبدالعزيز، فإنه يموت ميتة جاهلية، لأنه ترك أصلا عقديا، وكذلك من خرج وشق عصا الطاعة، ولا نعتقد فصل ذلك عن الدين، بل الدين هو الذي أوجب علينا اعتقاد بيعة أئمتنا وولاة أمورنا.

3- نصت كتب عقيدة أهل السنة والجماعة على مسألة الإمامة والسمع والطاعة لولاة الأمور في مواضع كثيرة يصعب حصرها، قال الإمام أحمد، رحمه الله، في أصول السنة: والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر... والغزو ماض مع الإمام إلى يوم القيامة البر والفاجر

وقال ابن أبي حاتم وأبو زرعة في مذهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار.. فكان من مذهبهم... ونقيم فرض الجهاد والحج مع أئمة المسلمين في كل دهر وزمان. ولا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله، عز وجل، أمرنا ولا ننزع يدا من طاعة، ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة...)، وقد ذكره الإمام محمد بن عبد الوهاب أصلا، كما في كتابه «الأصول الستة»، والأقوال عنهم كثيرة جدا وهي محل إجماع منهم. وهذا الإجماع منهم مبني على أدلة القرآن والسنة، وهذا يبين أنها مسألة مرتبطة بالدين وتمليها العقيدة على المسلم، قال تعالى «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم»، وفي الصحيح قال، صلى الله عليه وسلم، «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، وفي الصحيح أيضا «الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به»، وقال، صلى الله عليه وسلم: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»، هل هذا من الظنيات أو الفروع؟ أيظن عاقل أن من لم يعتقد بيعة إمام المسلمين يموت ميتة جاهلية، لكونه ترك أمرا ظنيا أو من الفروع!! ولما أحلت الكاتبة على هذه الأحاديث، أعرضت عنها، ولجأت، هداها الله، إلى ما لا حجة فيه من كلام الأشاعرة.

فأنا أقول: قال الله وقال رسوله، وهي تقول قال العروي، وقال طلال أسد، وهما رجلان علمانيان، ولم تذكر آية أو حديثا في كل مقالاتها، رغم أنها تتحدث في مسألة شرعية، وهي إمامة المسلمين.

4- القول بأن اعتقاد الإمامة لولاة الأمور، أصل عقدي، يعد نغمة معروفة عند الخوارج الذين يكفرون بغير حق، غير صحيح، والصواب: أن الخوارج الذين يكفرون المسلمين، لا يعتقدون الإمامة والسمع والطاعة لولي أمرنا أصلا عقديا، ولذلك يقاتلونه ويقاتلون رجال الأمن والمسلمين الذين تحت ولايته، والدواعش والنصرة والقاعدة وحزب الإخوان، وغيرهم من أصحاب العنف، كلهم خوارج نقضوا هذا الأصل وخلعوا البيعة وخالفوا جماعة المسلمين وإمامهم في بلدانهم وسلوا السيف على الأمة الإسلامية كلها وكفروا المسلمين فهذا أصل كبير نقضوه وخرجوا به عن وصف أهل السنة والجماعة وشاركوا فيه إخوانهم من الخوارج السابقين.

وأخشى أن يكون تقريرها السابق في صالح الخوارج، وإن لم ترد ذلك، لأن انحرافهم إنما هو في الإمامة، الذي تعتبره صاحبة المقال أمرا ظنيا فرعيا، ويعلم المتخصصون في العقيدة أن «النجدات من الخوارج» والأصم من المعتزلة، لا يرون الإمامة أصلا عقديا، وإنما يقولون الحكم لله، ليس لأحد من الخلق حكم في الدنيا، وإنما على الخلق أن يتعاطوا الحق بينهم.

5- حذرت ولا أزال أحذر من الفكر الليبرالي والعلماني والإخواني لأنهم جميعا يرون تعددية الأحزاب وقبولها والتشجيع على التفرق بإنشائها، وتفريق كلمة المسلمين، ولا يرون حقا لولاة أمور المسلمين، ورموزهم طالبوا بالملكية الدستورية، وطالبوا بالثورة على بلادنا، فكل منهم ينطوي على شر عظيم، وكيد دفين.

6- ادعت صاحبة المقال أني أحمل العلماء المعتمدين في بلدنا ما لم يقولوه، ولم تذكر بينة على دعواها.

7- ما ذكرته من أن الغرض من الدين هو النجاة في الآخرة فقط، نقول: وأيضا سياسة الناس بأحكام الشريعة فيه نجاة في الدنيا والآخرة، قال تعالى «إن الأبرار لفي نعيم* وإن الفجار لفي جحيم»، وهذا يشمل الدنيا والآخرة، ولا تكون النجاة في الآخرة إلا بطاعته في الدنيا وتنفيذ أوامره واجتناب ما نهى عنه سواء على ولاة الأمور أو على الرعية وفي جميع مناحي الحياة، وهذا هو حقيقة العبادة، كما جاءت به النصوص الشرعية، وكما أكد عليه ولاة الأمور في بلادنا.

يقول الملك سلمان حفظه الله «وإننا نشكر الله تعالى أننا نعيش في دولة مباركة تطبق أحكام الشريعة منذ أن أسسها الإمام الباني الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود- طيب الله ثراه- وأبناؤه من بعده، فقد اتخذت من كتاب الله العزيز وسنة نبيه المصطفى دستوراً يحكم جميع مناحي الحياة فيها كما نصت علية المادة (السابعة) من النظام الأساسي للحكم«،

وأكد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، حفظه الله: «على ثوابت السعودية الدينية من إقامة التوحيد، والدفاع عنه، وتحكيم الكتاب والسنة، والحرص على ما تضمنه النظام الأساسي للحكم».

ويقول الأمير خالد الفيصل «هنيئا لنا بأن ننفرد بهذه الميزة بين الدول، وأن دستورنا إلهي وهذا مصدر فخر لنا». وقال «هذه البلاد التي أسست على النظام الإسلامي هذا النظام الذي واجه في هذه الآونة من العصور حملة شرسة تريد تأكيد عدم صلاحية الدين للدولة ووجوب فصل الدين عن الدولة، ولعلكم تلاحظون أن الهجمة على المملكة العربية السعودية وعلى نظامها وعلى حكومتها وعلى شعبها وعلى قيمها وعلى عاداتها وعلى تقاليدها هي هجمة لأنها تمثل البلد الوحيد الذي يطبق شرع الله على عباد الله«.

وقال أيضا: «هناك حملة تريد أن تقنع الناس بأنه لا مجال للتقدم إلا بفصل الدين عن الدولة وتطبيق نظام الدولة العلمانية اللادينية».

ورحم الله الملك عبدالعزيز حينما قال: «إني والله، وبالله، وتالله أقدم دمي ودم أولادي وكل آل سعود فداء لهذه الكلمة- كلمة التوحيد- لا أضن به» وحفظ الله قيادتنا من كيد الكائدين وأدام علينا نعمة الاستقرار والأمن واجتماع الكلمة.

8- قالت في مقالها: إن القول بأن الإسلام دين ودولة، لم يعرفها أئمة السلفية في هذه البلاد قبل دخول الإخوان.

وهذا مدح للإخوان بما ليس فيهم، والصواب: أن قادة الإخوان ليسوا كذلك، وإنما ينحون العمل بأحكام الإسلام إذا حكموا، ويستعملون العنف والتفجير والشرور قبل أن يحكموا.

ويعلم أهل العلم أن نبينا محمداً- صلى الله عليه وسلم- هو الذي عمل بالإسلام دينا ودولة، وهكذا خلفاؤه وحكام المسلمين، وأئمة الدولة السعودية في كل أدوارها الثلاثة ولا تزال، بحمد الله، تعمل بالإسلام دينا ودولة، كما تقدم في النقل عنهم، وصاحبة المقال تزعم أن بلادنا لم تعرف أن الاسلام دين ودولة، إلا بعد مجيء الإخوان، وهذا القول فيه إساءة لبلادنا، ومخالفة للواقع، وبالتالي فإن مصدرها في هذا غير صحيح.

وفي الختام، فإني أوضح أني إنما أردت فيما تقدم بيان شأن إمامة ولي أمرنا، وعدم التهوين منها، فنحن لا سيما في هذا الزمن أحوج ما نكون إلى ترسيخ العقيدة في لزوم إمامنا والسمع والطاعة له بالمعروف، فهذه وصية رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لنا فقد ذكر دعاة الفتن والضلالة كما في حيث حذيفة الطويل، ثم أوصى بأصل عظيم حيث قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». فالإمامة شأنها عظيم.

وهذا هو آخر رد لي عليها، بعد أن رأيت أني بينت الحق الذي أعتقده، وأرجو أن ينفع الله به القراء، والموفق هو من ينقاد للدليل من الكتاب والسنة، وأما الجدل فلا خير فيه، ففي الحديث (.ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل».