أعلنت وزارة التعليم مؤخرا التقويم الدراسي الجديد، والذي تباينت آراء الناس حوله، كما هو الحال مع أي قرار يتعلق بالمكون الأهم في المجتمع -البشر-. سنبدأ بالحقائق الموجعة، حال تعليمنا لا يسر، ولعل أوضح مظاهر تدني مخرجاتنا، هو انخفاض متوسط عدد الأيام الدراسية في بلادنا، والذي يعد من الأقل عالميا، والفاقد التعليمي الذي يقدر بما يقارب ٤ سنوات بين طلابنا، وأقرب التجارب المشابهة لنا. ولكي أجعل الموضوع شخصيا أكثر، ابنك - أو ابنتك - الذي أنهى الثانوية العامة هذا العام، يمتلك من المعارف ما يقل بأربع سنوات، عن نظيره الياباني أو الأمريكي أو البريطاني.

مؤشر موجع آخر، وهو موقع طلابنا في الاختبارات المعيارية الدولية، فطلابنا كما لا يخفى على أي مهتم بالتعليم، يحققون نتائج غير مرضية، مقارنة بما تستثمره الدولة في التعليم من أموال وجهد ووقت. إذن فالحاجة للتغيير ملحة، وبقاؤنا على حالنا مع توقع نتائج مختلفة في غير محله، خصوصا مع سعي الدولة الحثيث، لصناعة أجيال قادرة على المساهمة الفعلية في العالم أجمع، كمواطنين عالميين بهوية سعودية، ولما سبق كله، أقول، أهلا بالتغيير وإصلاح التعليم، برغم إدراكي لصعوبة ما سنواجهه، سواء كمعلمين أو أولياء أمور.

أبرز ما لفت نظري في التغيير هذه المرة، هو فكرة التكاملية بين المقررات والتركيز على المهارات، التي بنيت عليها المناهج الجديدة، واستهداف المهارات العقلية العليا، والابتعاد عن الحشو والتلقين، وتشجيع التفكير والنقد، وتحسين التتابع في المناهج العلمية، وتأكيد مطوري المنهج، على أهمية تأسيس اللغة العربية وتحسين تدريس مهارات القراءة، والتركيز على الفهم القرائي، والذي كان بالمناسبة من أضعف مهارات طلابنا في الاختبارات الدولية.

لفت نظري كذلك موضوعية الطرح من فريق العمل، من الواضح أن هذا الفريق يدرك كلفة التغيير وصعوبته، ويتوقع المخاطر ويعملون على تحويلها إلى فرص، من خلال التقويم والتحسين المستمر.

- من أهم التغييرات في التعليم العام، كذلك المسارات الثانوية، والتي تحدث عنها مسؤولو الوزارة، حديثا واعيا متزنا وواعدا، فربط المسارات بالاحتياج المناطقي على سبيل المثال، سيقلل من هجرة السكان من مناطقهم - من وجهة نظري - فاحتياجات سكان تبوك، تختلف عن احتياجات سكان جازان أو المنطقة الشرقية، وصناعة الإنسان المناسب لبيئته، تكفل نموا متوازنا في بلادنا مترامية الأطراف، وتعزيز التركيز يصنع التميز، ويستثمر في نقاط القوة في كل منطقة. هذه العوامل وغيرها هامة في التخطيط، وسنرى تقييم وزارة التعليم للتجربة بعد تطبيقها، بالشراكة مع المستفيدين من معلمين وطلاب وأولياء أمور، كما وعدنا معالي الوزير وفريق العمل.

خلاصة القول، لقد تأخرنا كثيرا في هز جذوع التعليم، وتشذيب حقوله سواءً في الكم والكيف، ولن يسامح الجيل القادم إهمالنا لهذا الملف، بعد أن تهيأت كل أسباب تطوير التعليم، وبينت النتائج عمق أخطاء الماضي، وضرورة مواجهتها بشجاعة، إذا أردنا فعلا مواكبة العالم في التسارع المعرفي والصناعي، وإعداد جيل يقود بلادنا وهي تقود العالم الآن، وفورا كما تعلمنا من سمو سيدي ولي العهد.. دعونا نغادر مناطق الراحة التي اعتدناها طويلا، ونغامر مغامرة محسوبة بعد ركود طويل، ونراهن على إصلاح التعليم، سعيا لتحقيق الرؤية الفتية الطموح، فأصعب القرارات هو غالبا أقربها للصواب.