سيادة الرجل الأبيض
يذهب لاتوش - بكل حيادية - إلى التأكيد على أن جميع الإمبراطوريات كانت استبدادية: بابل والصين والمكسيك وروما، وأن أوربا ابنة «أورشليم» التي غزت الأرواح وورثتها روما البيزنطية، التي ورثها «شارلمان» الذي واجه العرب في «بواتييه» الصليب في يد، والسيف في الأخرى، حيث بدأ في زمنه التغريب وفق الفهم والعقيدة الصليبية.
مرجعًا صعود سيادة الرجل الأبيض إلى تلك الحقبة واعتبارها البدايات الأولى لتغريب العالم، ثم حقب الاستعمار، وما تلاها من نزعات السيطرة على البشر، وغزو الأسواق، ونهب المواد الخام وثروات البلدان التي استعمرها الغرب والبحث عن أراض جديدة، وأياد عاملة لتحقيق تلك الهيمنة الكولونيالية.
ما هو الغرب؟
بانطلاقه من حقبة الحروب الصليبية، يضع لاتوش يده على تمدد التغريب بمغامرات إسبانيا في القرن السادس عشر، ورسمها خريطة العالم عبر الوكالات التجارية والحصون والإرساليات، عبر انتصارات «العسكريين، والتجار، والمبشرين.
ثم يمضي متسائلًا بعد تحليل تلك الفتوحات: ما هو ذلك الغرب؟، ويرى أنه لكي نعرف الغرب ينبغي علينا النظر إليه باعتباره كيانًا جغرافيًّا: أوربا. وله فلسفة هي: التنوير. وضمن إثنية: هي العرق الأبيض. وداخل نظام اقتصادي: الرأسمالية. وصاحب ديانة: المسيحية.
لكنه ينفي استيعاب الغرب في كيان ديني باعتبار أن المنهج المسيحي الإلهي كان سببًا في الفتح والانتشار، ورغبة في تغريب العالم للسيطرة الأيديولوجية على مقدرات البلاد التي خضعت لما يسمى بالرسالة المسيحية للإنجيل، تلك الرسالة التي تقوم على التبشير، والاستيعاب، ومحو ثقافة ودينية الآخر. لذلك ففي نهاية الأمر يتطابق الغرب مع هذا الكيان الديني ويعود فيستوعبه داخل مشروعه الاقتصادي.
محو الثقافة
ماهي ثقافة التغريب؟، يعرفها لاتوش بـ«إنها الاستجابة التي أسهمت بها الجماعات البشرية إزاء مشكلات وجودها الاجتماعي» أو التي عرفها «ج. ب دوبوي» «البرنامج الذي يشكل ثقافة يمكن النظر إليه على أنه نسق متسق من الرموز (اللغة، الفن، الأساطير، الطقوس) يسمح للبشر بعقد صلات ذات مغزى فيما بينهم ومع عالمهم، وبالعثور على معنى لبيئتهم ولحياتهم، وبالتالي بتوطيد إحساس ما بالأمان».
ويفصل «لاتوش» بقوله: التغريب يقوم على الإمبريالية بوصفها نظامًا كاملًا من الاغتصاب يقوم على الإقطاع ومحو الثقافة وإحداث التخلف. والغرب باعتباره يمتلك مركزًا واحدًا محيطه في أي مكان، وهكذا يصبح من خلال السيطرة محاربًا من غينيا، وفلاحًا من زراع القطن في مصر، وتاجر ملابس من بنين، وقام بطرح فكرته السائدة عن السيطرة من خلال السيطرة على الأسواق.
الواجبات الاقتصادية
في مسار فرض ثقافة الغرب و«محو الثقافة المحلية للشعوب والإبادة الإثنية» يستعرض لاتوش استخدامنا لكلمة تثاقف دلالة على التفاعل الإيجابي عند احتكاك الثقافات، فإذا كان توازنًا وحفاظًا على هوية كل ثقافة في تجاورها الإنساني يكون التثاقف هنا ناجحًا. أما عندما تتدفق ثقافة ناجحة وقادرة على ثقافة أخرى مصمتة تغدو الثقافة الأخرى مغزوة مهددة في وجودها ذاته ويمكن اعتبارها ضحية لعدوان حقيقي، أما إذا كان العدوان ماديا فهذا هو الزوال الحقيقي. وإذا تأملنا هذا الصراع فسوف نجده يتم عبر وسائط تسمى «وسائط اجتثاث الجذور».
فيما يتعلق بالثقافة تبدو الأمور أكثر تعقيدًا فليس محو الحدود الإقليمية مجرد ظاهرة اقتصادية تفرغ القومية من جوهرها بل لها آثار سياسية» ثقافية. و هنا يفصل لاتوش ذاكرًا: الحقيقة أن نص الحقوق والواجبات الاقتصادية للدول والذي يعلن أن «الشركات المتعددة الجنسية لا يجوز لها أن تتدخل في الشئون الداخلية للبلدان التي تعمل فيها يشهد على سذاجة بالغة».
العمق والمعرفة
في الكتاب محاولة جادة تتسم بالعمق والمعرفة لتأمل - من وجهة نظر وقراءة لاتوش- واقعنا العالمي المعاصر، وما يحفل به من تمزقات مرعبة تصدمنا في كل حالاته لأن الخطة الخاصة بوحدة إنسانية جوهرية تقوم على النموذج الغربي الذي يقوم بدوره على إخراج اقتصادي عالمي ضخم. وبالرغم من السيطرة الفادحة لهذا التغريب على العالم، وعمله الدائم على محو ثقافة الآخر وتزكية النموذج الغربي فإننا نرى في كثير من المشاهد والأمثلة إخفاق هذا النموذج. فيما يشير إلى أنه «يبدو أن نجاح اليابان الذي لاشك فيه والنجاح الأكثر إشكالية لعدد من البلدان الصناعية الجديدة شاهدان على تغريب ناجح يقوم على إنقاذ الهوية الثقافية لهذه البلدان».
مقاومة المجتمعات
لا يتردد «سيرج لاتوش» من الاعتراف في خاتمة كتابه بقوله «إخفاق الآلة التقنية الاقتصادية قد يؤدي إلى تدهور الغرب كحضارة. والواقع أن إخفاق التنمية ونهاية نظام الدولة/ الأمة هما علامتا ومظهرا هذا الإخفاق، غير أنهما ليسا سببيه الوحيدين. وقد أسهمت مقاومة المجتمعات المختلفة، وقدرتها على البقاء، بوصفها مختلفة، وقابلية الروابط الاجتماعية الأصلية لتحويل الإسهامات الأشد تباينا للحداثة إلى معان غريبة عليها كليًّا، في تآكل سيطرة النموذج الغربي. وتسمح هذه المخلفات والمقاومات والتحويلات بتوقع سقوط الغرب ليس بوصفه نهاية العالم بل بوصفه النهاية لحضارة. ذلك أن حيوية ودينامية الآخر تفسحان المجال أمام التنبؤ بمخارج حتمية الكون ذي البعد الواحد».
سيرج لاتوش
مواليد 1940
أستاذ فرنسي للاقتصاد بجامعة باريس الجنوبية
دكتوراة في العلوم السياسية والفلسفة والاقتصاد.
متخصص في:
العلاقات الاقتصادية والثقافية بين الشمال والجنوب
في نظرية المعرفة في العلوم الاجتماعية
طور نظرية نقدية تجاه العقيدة الاقتصادية
يندد بالاقتصاد والنفعية في العلوم الاجتماعية والمجتمع الاستهلاكي ومفهوم التنمية المستدامة
ينتقد بشكل خاص مفاهيم الكفاءة الاقتصادية والعقلانية الاقتصادية
مؤلفات
فلسفة القرن العشرين / الحادي والعشرين
فلسفة المنطقة الغربية
فلسفة المدرسة القارية
نظرية انخفاض النمو
المصالح الرئيسية نظرية ما بعد التنمية
أفكار بارزة تضاؤل النمو
الوفرة المقتصدة