بدأت علاقة محمد الحسن ولد الددو الشنقيطي بالسعودية، حينما انتقل إلى الرياض عام 1988، ليواصل دراسته في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، إثر مقابلة مع مدير الجامعة وقتها أثناء زيارة له لنواكشوط، والذي اتخذ قرارًا بنقله إلى الرياض، لتسجله الجامعة في المستوى الثالث في كلية الشريعة ليكمل الدراسة فيها، ويحصل بعدها على الماجستير.

واشتهر الددو بين الصحويين في مطلع التسعينيات، بدروسه في مسجد سكن جامعة الإمام في الرياض، إلا أن حادثة حصلت له رفعت أسهمه عند التيار الصحوي، حيث جاءه سؤال عن كفر سيد قطب، عطفًا على ما كتبه الدكتور ربيع المدخلي وقتها، فرد على السؤال ردًا مفصلًا، وكان مما قاله الددو: (إن سيدًا لو قال بخلق القرآن صراحةً لما كان لنا تكفيره لأن الإمام أحمد لم يكفر المأمون ومن كان حوله من علماء الجهمية القائلين بخلق القرآن)، فدار بينه وبين بعض الشباب جدال حول المسألة، فنقل أولئك الشباب الكلام إلى الشيخ ابن باز، الذي أرسل بدوره كتابًا إلى مدير الجامعة يأمره فيه بتوقيف دروسه وتسفيره إلى بلاده، فأرسل مدير الجامعة إلى الددو، وأخبره الأمر ورتب له لقاءً مع ابن باز، وبعدها هدأت الأمور.

هذا النزوع للتسامح، والتورع عن التكفير، لم يدم طويلًا مع الددو، فبمجرد ما تلامست خطوطه وتقاطعت مع التوجهات القطرية حتى انقلب يطوِّح آراءه ذات اليمين، وذات الشمال، مما حدا بالسعودية ودول شقيقة أخرى إلى إدراجه ضمن قائمة الإرهاب، والتي شملت العديد من الأسماء والمنظمات، ومن أبرزها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يحظى الددو بعضويته، وفي هذا الصدد، وصف الدكتور أحمد عصيد، وهو باحث وناشط حقوقي مغربي مناهض للإسلام السياسي، الددو بـفائق السرعة في تشرب الأفكار المتطرفة، إذ فاق شيخه يوسف القرضاوي في التحريض على الفتنة، والتنكر لجميل السعودية التي طالما أحسنت إليه.

بدأت نزعة التكفير تتضخم لدى الددو بشكل أكبر، وإن كان يحاول إخفاءها خلف لوازم التكفير، أو أحد أسبابه، دون القول به صراحة، إيهامًا وتوهيمًا، فقد قال الددو على منبر أحد جوامع نواكشوط، عن أن كلمة الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز، في سبتمبر 2018، حول إمكانية حل حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل»، الذراع السياسيَّة لجماعة الإخوان المسلمين في موريتانيا، هو «تعطيل لحكم الله»، وكما هو معلوم فإن تعطيل حكم الله، هو كفر في مذهب الإسلاميين الذين ينتمي لهم ولد الددو.

وهذا النزوع إلى التكفير، يفسره ما ذكره الحسن البمباري، الباحث في المركز الموريتاني للبحوث والدراسات الإنسانية، إلى أن ثمة تقارب بين قيادات «تواصل» وعناصر من تنظيم القاعدة، وهذا التقارب يخلق حالة من التخوف لدى الشعب الموريتاني، ويشير الباحث الموريتاني إلى أنه إن أراد إخوان موريتانيا الاندماج في المجتمع، عليهم إقناع الموريتانيين أنهم ليسوا «القاعدة» ولا «داعش»، مما يعني انطلاق «تواصل» الددو، و«القاعدة» و«داعش» من أرضية مشتركة واحدة، ومن منطلقات متشابهة يأتي على رأسها التكفير.

ولذلك يرى الددو - الذي كان أحد أهم مؤيدي ثورات الربيع العربي- ضرورة إسقاط الأنظمة العربية، ويتخذ ذريعةً لذلك التكفير الصريح هذه المرة، وهو يعلم شدة النكير على تكفير المعين، لكن الددو رمى عرض الحائط بذلك، وسارع إلى تكفير أربعة من حكام المسلمين، في بلدان مسلمة فيها من العلماء من هو أدرى بحال حكامها من الددو، ولم يكفروهم! وحين البحث عن مستند الددو في تكفير هؤلاء، لن تجد سوى اشتراك الأربعة في معاداة جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، وعلى صعيدٍ آخر وفي تناقض غريب، يجيز ولد الددو الخروج على الحكام العرب، بل وينعتهم بأنهم هم الخوارج، وفي الوقت ذاته يرى أن الخروج على «مرسي» محرم وظلم، وتعود العلة التي يدور معها هوى ولد الددو وهي الإخوانية.

ويقول ولد لوليد أحد المقربين من الددو قبل أن يفترقا، لموقع البديل الإلكتروني الموريتاني، في أغسطس 2015 (باختصار مني): (لقد قدر لي أن أتعرف على الددو... وكان مضرب المثل في العبادة والزهد والتواضع والورع... ثم تتالت الأحداث بعد ذلك وتغيرت الظروف وتبدلت الأحوال بعد التحاقه بجماعة الإخوان المسلمين، فتغيَّر فجأة في أسلوبه ومضمون محاضراته وخطبه، وأكثر من ذلك في سلوكه ونمط عيشه).

ويقول ولد لوليد: (من المحطات البارزة في بداية علاقة الددو بالإخوان برز الترويج من طرفهم لحكايات مطولة يرويها الددو عن تلامذته من الجن والشياطين، وهي حكايات طالما أسهبوا في تفاصيلها وغرائبها، منها أن ملكة من ملوك الجان تدعى الماردة «سوزان» تتلمذت عليه وصارت تستفتيه وتستشيره وتتصل به هاتفيًا. وهكذا كان أبواق تنظيم الإخوان يروجون لهذه القصص على أنها من كراماته، والمراد من ترويج هذه الحكايات من قبل المروجين لها من الإخوان هو: ضم أكبر عدد من عوام المسلمين إلى صفوفهم لاعتقادهم أن معظم الشعوب الإسلامية تتأثر بالكرامات والخوارق أكثر من غيرها).

ويواصل ولد لوليد القول: (في هذه الفترة دفعتني الثقة بالددو... إلى الانخراط في صفوف جماعة الإخوان المسلمين في موريتانيا فبايعت وانتظمت، وسرعان ما وصلت إلى أعلى مراكز اتخاذ القرار، وهناك بدأت الشكوك تراودني في إخلاص هؤلاء المجاهدين حيث كنت شاهدًا على فظاعات كان أخفها الكذب والسرقة والغيبة والاستهزاء بمقدسات الأمة وعلمائها، واختزال رسالة الإسلام وشريعته ومنهاجه في تفاهات ومؤامرات تتلخص في منهج جماعة الإخوان).

أخيرًا، يجب تعرية رموز التطرف الصحوي أمام فئات من مجتمعنا لا تزال مخدوعة ومُضَللة بهذه الرموز النكدة، كما ينبغي أن نفطن جيدًا لكل الأساليب والطرق التي يعيدون فيها إنتاج أنفسهم وأفرادهم وأفكارهم مهما كان مصدرها، وأيًا كان الشخص.