ما الذي يجبر مجتمعاتنا على البقاء في مستودعات الماضي؟ ولماذا تلازمنا ذكرياته، وتحتكرنا ثقافته، وتحاصرنا أوهامه وأزلامه؟

هكذا وجدتني أسأل نفسي ولا أحار جواباً، عدا الاعتقاد بأن شيئاً من هذا الحصار لم يكن ليحدث لو لم تكن حياتنا فيما نسميه الحاضر امتداداً كاملاً للماضي وصورة منه وفصلاً من ثوابته المعرفية المتأصلة في وجدان المجتمع.. على أن ماضويتنا العربية التي نولد في كنفها ونكبر في حضنها ونشيخ أو نغادر الحياة على رسمها الدارس لا تتغير باندلاع ثورة، ولا تتبدل بزوال نظام ومجيء آخر. وهي عند قياس تأثيرها على مجريات التطور قادرة على إلغاء الفروق ومنع التمايز والمغايرة، حتى ليبدو الأمر سيان في ميزان المراجعة والتقويم.. فشتاء الأمة مثل ربيعها..

كل الثورات العربية حملت على كاهلها مسؤولية التذكير بحسنات عهود سبقتها، ولهذا نخسر الكثير مقابل تحدي الانتصار على التطور. وحين تهب عاصفة التغيير فإننا نقتصر أسباب التعاطي معها على اقتلاع الحاكم من موقعه ريثما نتمكن من اقتسام إرثه والجلوس مكانه وتهيئة الفرص أمام مستبدين يحملون مواصفاته، فإن لم يكن ذلك ممكناً فلدينا من المواهب المكتسبة ما يعوضه عن هذه المواصفات بنظائرها وأحياناً بما يفوقها..

تقتحم الأمنيات ضجر الاحتشاد حول الماضي فنقابلها بسيل العرم من الشعارات المصممة لأغراض الاحتواء، إنها تلائم كل التناقضات.. تصلح عباءة للمستبد، وكفناً للشبيبة وفستاناً للثورة.. تصلح أن تكون قلادة تزين خرافات الماضي عند استحضاره وحبلاً يلتف على عنق المستقبل قبيل صلبه. وفي خضم الإزاحات بين أطراف الصراع الماضوي تتوارى الأمنيات الصادقة وتغيب القضايا الجوهرية المعبرة عن أهداف التغيير ومضامينه وقواه وسبل تحقيقه.. لهذا لا نستطيع العثور على الحاضر أو رؤيته إلا على صورة هياكل متخيّلة تحمل، أو بالأحرى، تشي بجانب من ملامح وأسرار ماض مُنَقَب.

لم يعد متاحاً التفكير في المستقبل. إننا لا نفكر بتطلعات بعيدة المنال. ويتعين الامتناع عن التفكير بذلك لأسباب وقائية، إذ إن عملاً كهذا لا يدخل في عداد المغامرات غير المحسوبة النتائج فحسب، ولكنه يؤدي حتماً لنتائج عكسية تتعلق بقدرة الماضي على تقديم نفسه كما لو كان هو ذات المستقبل، مع ملاحظة أن الحلم القادم لم يعد في واقع الحال شأناً يخص الأجيال الشابة في ساحات الربيع العربي، وأقصى ما تكون عليه تطلعاتها مجرد التعرف على دلالة واقعية تنم أو تترجم مفردات الحاضر وأولوياته وحدود اتصاله ونطاق انفصاله عن الماضي..

على أن السؤال الأحرى بالتجاذبات الرئوية في ساحات الربيع ومرتاديها من الشباب.. ما جديد ثوراتها طالما تصدر المشهد ذات الكوكبة من الرجال الذين تتجدد مشروعياتهم مع كل دولة وفي أي زمن؟ بل كيف يكون التغيير قد حدث فعلاً في ظل جاهزية المومياء البديلة للحديث أصالة عن الماضي ونيابة عن الحاضر وتنطعاً باسم المستقبل؟ ومن أين للتغيير أن يحدث الفروق الاعتيادية بين زمنين أو عهدين أو نموذجين طالما ظلت إرادة التغيير مرتهنة للجاهزيات التاريخية التي تفكر بدلا عنك وتعتقد نفسها أدرى بمصالحك؟ لكم كان هذا شأن ومعتقد متخذي القرار في النظم السياسية التي أودت ببعض رموزها ثورات العقد الثاني من القرن العشرين!!

على أن السؤال الملح.. إذا لم يكن ما حدث في مصر وليبيا وتونس واليمن ولاحقاً - كما نتوقع في سورية- هو التغيير الذي عزفته قيثارة الشهداء، فما الذي حدث إذن.. سحابة عابرة حلّقت فوق ترع الطغيان أم موجة من الطفح على جسد الأوطان؟ أكان ما حدث عبورا بين جسرين أم انتقالة من نفق لآخر؟ أهو ثورة مكتملة الخصال، أم فورة غضب نجم عنها تمرد فانقلاب؟

ما حدث في تقديري ليس هذا ولا هو ذاك، لكنه خليط من متناقضات ارتطم بعضها فوق بعض، وكانت المحصلة دويا كبيرا كالذي تحدثه الثورات، وحصادا غير ناضج كالذي تثمره الانقلابات.. وكما بدأت الحالة الثورية تعبيراتها في مواجهة شخوص فإنها انتهت كذلك إلى إيفاد شخوص وإدماجها في إطار منظومة الجنرالات من الحكام المخلوعين..

حقاً.. العرب أصحاب سبق في الوأد.. قديماً كانوا يئدون البنات خشية إملاق وهم اليوم يقتلون الثورات استعجالاً للمحاصيل التي لم تنضج؟

وإذ لا يزال الطريق وعراً والمسافة المطلوب قطعها بين الماضي والحاضر غير معلومة الزمن ولا معروفة الثمن فإنه يتعين على المتشوقين للتغيير البدء في تحديد مساراتهم القادمة على النحو الذي يجعل الحاضر واضح الأهداف والملامح، خاليا من التشوش والتباسات المشتغلين على قناة السياسة التقليدية الذاكية بتراثها الثأري والمشدودة إلى رهاب التخلف والفكرة القامعة.

لقد صار الحاضر في أوضاعنا الراهنة غرفة إنعاش خاصة برعاية الماضي وإنقاذه وهو على وشك الاندحار من حيواتنا، على حين كانت شعوبنا عقدت الآمال في سبيل تحويل ربيعها إلى حاضن يستوعب تحديات المستقبل وقضاياه.. فما العمل لاستدراك الأخطاء الفادحة والشروع في تدبر خصائص مائزة تجعل الحاضر مختلفاً؟ وما السبيل أمام شعوبنا للحيلولة دون تداخل المواسم ببعضها؟ ولماذا العرب فقط يتناولون الفاكهة في غير مواسمها ولا يتذوقون نكهتها، بينما تكون علاقاتهم بالمصائب محكومة بمواقيت معلومة ومقدمات واضحة الصلة بما تسفر عنه من نتائج؟

أعود لتناول خصائص الحاضر لاحقاً لكني أعجز عن تصديق القائل:

(ما مضى فات والمؤمل خير ولك الساعة التي أنت فيها)

وليت هذا كان صحيحاً؟