وافق مجلس الوزراء على مشروع النقل العام في مدينة الرياض: قطارات وحافلات، مما يعني أن القضية لم تعد مجرد مطالب صحفية وإعلامية، ولا نتيجة لتذمر سكان العاصمة من هذا الزحام الذي يزداد عاما بعد عام، ولكنه تحول إلى قرار من مجلس الوزراء وأصبح إرادة قيادية.

ظلت الرياض لسنوات المدينة الأكثر تميزا على مستوى طرقها الرئيسية، فهي من أوئل مدن المملكة التي شهدت إنشاء الطرق الدائرية الضخمة، وتوسيع وإعادة كثير من الطرق والشوارع التي ضاقت عن تلبية الزحام الناتج عن التطور المذهل والسريع الذي تعيشه العاصمة إذ يتجاوز عدد سكانها حسب بعض الإحصائيات الخمس ملايين نسمة.

مهما كانت الطرق متعددة وفسيحة إلا أنه لا يمكن استيعاب التحركات المتزامنة غالبا لهذا العدد من خلال الاعتماد على وسائل النقل الخاصة للأفراد، الوضع الذي باتت معه مختلف ساعات اليوم في الرياض تعج بزحام شديد ربما لا تخف حدته سوى في ساعات الليل المتأخرة، وفي بعض الإجازات. كذلك فالنقل العام جزء أصيل ومهم في تكوين الشخصية الاقتصادية والعمرانية وحتى الثقافية والاجتماعية لكل المدن الكبرى في العالم، وإذا كانت الرياض قد انشغلت ببناء مختلف جوانبها الحيوية طيلة السنوات الماضية فقد جاء الوقت لتدشن مرحلة جديدة في تطورها وازدهارها، خاصة أن حركة التطور العالمي في صناعة النقل جعلت من الممكن تأسيس مشروعات للنقل العام دون الحاجة إلى إعادة بناء المدن، وما تم بناؤه في كثير من دول العالم تحت الأرض يمكن الآن ومع هذا التطور بناؤه فوق الأرض وفي كثير من الدول التي أنشأت خطوطا حديثة للنقل العام استفادت أصلا من واقع بنيتها القائمة في إنشاء مشروعات النقل العام.

الواقع التنموي الضخم الذي وصلته العاصمة الرياض، لم يكن ليصل لما وصل إليه لو أنه ظل معتمدا على ما تقدمه بعض الوزارات من مشروعات كانت أكثر تأخرا وتقليدية وارتهانا للبيروقراطية، بل لأنها انطلقت في ذلك من مؤسسات تم إنشاؤها لبناء العاصمة، ومن مؤسسات قائمة أعادت صياغة توجهاتها لتلائم مسؤولية بناء العاصمة، فالهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، وأمانة مدينة الرياض مؤسستان تخلصتا سريعا من كل عوائق وأخطاء العمل الإداري وأدركتا ما معنى العمل على بناء مدينة بحجم الرياض. وهو ما يمكن قراءة آثاره على البنية العامة للمدينة وعلى مختلف المشروعات النوعية، مع التأكيد على أن ما شهدته بعض المشروعات من تعثرات يعود إلى ارتباط بعضها بوزارات يغلب عليها الأداء البيروقراطي الذي لا يستجيب كثيرا للحيوية التي تعيشها الهيئة والأمانة.

إن أول إجابة على سؤال ماذا تحتاج الرياض، هو بالتأكيد: شبكة للنقل العام. لكنها تحولت الآن من مجرد رغبة وفكرة إلى مشروع واقعي على الأرض، ينتظر التنفيذ.

أبرز ما في قرار مجلس الوزراء الذي أقر المشروع أنه حدد التنفيذ بمدة تصل إلى أربع سنوات، مما يعني أنه سيتم ضخ الكثير من المال من أجل إنجاز المشروع في ذلك الوقت وبالجودة التي يجب أن تتوافر في مشروع مثل هذا. بالنظر إلى أن مشروعات النقل العام تمثل تحولا اقتصاديا وثقافيا واسعا. وبالنظر أيضا إلى ما تسهم به تلك المشروعات من فتح مجالات أوسع للاستثمار وخلق المزيد من فرص العمل.

أربع سنوات هي مدة التنفيذ كما نص عليه قرار مجلس الوزراء، هذه ثقافة جديدة في قرارات المجلس رسخها خادم الحرمين الشريفين حين أصبحت القرارات تنص على توقيت محدد للتنفيذ، وهنا يأتي اختبار الوزارة المعنية بالتنفيذ والوزارات المؤثرة في مثل هذا المشروع وعلى رأسها وزارة المالية. وقد وجه القرار بتشكيل لجنة برئاسة صاحب السمو الملكي أمير منطقة الرياض رئيس الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض وعضوية صاحب السمو الملكي وزير الشؤون البلدية والقروية، ومعالي وزير المالية، ومعالي وزير النقل - الإشراف على تنفيذه - على أن يتم استكمال تنفيذ المشروع خلال أربع سنوات من تاريخه، وللجنة الاستعانة بمن تراه من الشركات العالمية المتخصصة. وعلى اللجنة رفع تقارير لرئيس مجلس الوزراء عن سير العمل في المشروع كل ثلاثة أشهر.

هذا النص المتكامل سيمثل إحراجا حقيقيا لكل جهة يمكن أن يشهد عملها تراخيا في التنفيذ، والتقارير التي سترفع كل ثلاثة أشهر كفيلة بمواجهة ما قد يظهر من عقبات. ليأتي الآن دور الناس ودور الإعلام في رصد عملية التنفيذ ومتابعتها، لأن مثل هذه المشروعات لم تقر لتضاف إلى السير الذاتية للوزارة المنفذة وإنما لتتحقق واقعا يسهم في تغيير مستقبل العاصمة التي لا ينقصها بالفعل سوى أن تواصل ازدهارها من خلال مثل هذه المشروعات الحيوية.