كلمة «نظام»، وضع بجوارها ما شئت من مصطلحات (نظام/تعليمي - صحي - تجاري.. إلخ). إن من يضع نظاما بحجم وزارة لا بد أن يكون متمكنا من «الحس الأدنى» فيما يسمى «الفقه الدستوري»، لأن هذا الحس الأدنى هو ما يصنع التناغم بين الوزارات المختلفة، فما بالنا بالتناغم الإيجابي بين السلطات الثلاث بدلا من تغول إحداها على الأخرى. كل ذلك في سبيل الوصول إلى رؤية واحدة، فلا يعقل مثلا أن ما تبنيه وزارات الثقافة والإعلام والسياحة تأتي وزارة التعليم لتهدمه عبر مخرجاتها عدا أن يكون من بين معلميها من له توجهات وآراء سرورية ضد هذه الوزارات.

ولنوضح ما ذكر أعلاه، وضرورة الوعي بالمعنى الدستوري عند سن الأنظمة أو القوانين، أقول نوضح هذه المصطلحات بمثال بسيط جدا، حيث يشتكي أحد الأطباء الاستشاريين من العرب المسيحيين من أنه مقيم وعائلته، ولكن إشكاله يكمن في تعليم ابنه، إذ يقول: المدارس الخاصة وفي المرحلة الابتدائية تلقن الطلاب مناهج تصنع إشكالات لابني داخل الفصل، ويقر بأنه يتفهم وجود بعض المواد الدينية ويحترم ذلك، لكن «ما دخل المناهج الدينية في تحويل ابني إلى «كافر صغير» في نظر طلاب صغار (أحداث)، لم يبلغوا السن القانونية بعد، ويسألوه في الفسحة بشكل متكرر وببغائي: أنت كافر؟!».

الإجابة هنا تعتمد على «وزارة المعارف» التي تحولت إلى «وزارة التربية والتعليم»، ثم أصبحت «وزارة التعليم». وفي التأمل العميق لهذه التحولات في المسمى، يتضح أن دعوى هذا الطبيب في هذا المثال لا قيمة لها، فالوزارة شأنها مختص بالتعليم، ودور المعلم دور تقني فني بالمعنى «البيداغوجي»، وليس دورا تربويا بالمعنى «العقائدي الديني»، فهذا شأن خاص بكل أسرة. ولهذا، فمنذ توحيد السعودية سياسيا، ونشوء التعليم، لم تؤثر المناهج الدينية في تحويل المواطنين وعائلاتهم إلى نسخة واحدة لأي مذهب، بل بقيت المذاهب ممثلة في أصحابها حتى هذه اللحظة. الفرق البسيط الذي اختلقه الإخوان المسلمون وذريتهم من السرورية عبر المناهج هو إثارة الأغلبية ضد الأقليات المذهبية بالدين الإسلامي نفسه في الوطن الواحد، وصولا إلى تفجير المساجد وحراستها من قِبل قوات الأمن. وقد تمت مناقشة هذا الأمر منذ مركز الحوار الوطني وحتى تطوير المناهج، لتوائم «رؤية المملكة 2030».

نعود لنظام وزارة التعليم، الذي يجب أن يدرك فيه المعلم «الفكرة المركزية في هذا النظام»، فكيف لمعلمة أن تحدث الطالبات عن «المهارات الحياتية» وهي ما زالت ملتزمة بتقاليد السرورية حتى في مفرداتها، حيث إنها تتجنب عبارات «صباح الخير - صباح النور - مساء الخير - مساء النور - شكرا - عفوا».. إلخ من عبارات تقليدية بين العرب من الخليج إلى المحيط، إذ تراهم يستخدمون داخل المبني التعليمي ما يذكرك بعبارات «ناصر القصبي» في مسلسل «طاش ما طاش»، عندما تلبس دور أحد المعلمين السروريين.

نعود للمعلمة وتدريس «المهارات الحياتية» للطالبات، ونحن نعلم جميعا أن الحاصلة على الماجستير والدكتوراه في زمن الصحوة، ووفق شروط السرورية، ليست سوى «طالبة ناجحة في المذاكرة» يتم نقلها من المنزل إلى الكلية عبر سائق خاص، ويتم تسلمها من الكلية إلى المنزل، والمتنفس الوحيد يوجد في السوق فقط برفقة «محرم لا يتجاوز عمره خمس سنوات»، مما يجعلها عاجزة تماما عن امتلاك «المهارات الحياتية» لغلام في سن الرابعة عشرة، ومثل ذلك للمعلم الذي قد يعطي «مهارات حياتية سرورية» تجعل الطالب يضمر العداء للدولة في كل خطوة تحديثية للأمام، ففي التعليم عارضوا، وفي الإذاعة والتليفزيون عارضوا، حتى في جوال الكاميرا عارضوا، والدش عارضوا.

أمثال هذه المعلمة أو المعلم في «وزارة التعليم» نرجو ألا يكونوا كثيرين، فمخرجات طارق السويدان «البراغماتية» لا يؤمنون بالتجديد، بل أقصى إمكاناتهم «التكيف البراغماتي» فقط، ولهذا من يؤمن بالتجديد ستراه في الميدان يختلف جذريا عن «المتكيف»، سواء في لقائه به كقارئ أو مثقف، حيث يتجاوز الصورة النمطية للمعلم السروري الذي رأيناه في «طاش ما طاش»، المعتمد على مفاهيم «أشرطة الكاسيت السرورية» في هندامه وتكوينه الفكري، فتراه عاجزا عن ذكر ثلاثة فقط من أهم منظري التعليم في التاريخ الإنساني، لكنه يهرب من جهله الحقيقي بتطور مهنة التدريس عبر التاريخ بتذكيرك أن الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام - هو المعلم الأول كمراوغة صحوية، فالرسول صلى الله عليه وسلم جاء بصفته «نبيا» بكل ما في النبوة والرسالة من معان روحية وإنسانية، ولم يجيء بصفته مدرسا ابتدائيا أو متوسطا أو ثانويا يقبض مقابلها راتبا شهريا. وتسمو هذه المهنة بعلو اهتمام المعلم بآخر مستجدات التعليم في تخصصه، وما عدا ذلك، فخلط للأدوار استثمرته الصحوة لتجعل من المعلم «حارسا لتوجهات السرورية ضد توجهات الدولة»، فكانت كل القرارات القديمة من الوزارة يتم تفريغها من معناها «البيداغوجي»، لتبقى محافظة على معناها «الأيديولوجي السروري».

أن تكون معلما سروريا بطريقة لا إرادية سببه التشبع المخيف بتقاليد ومفاهيم الصحوة في كيف تتكلم. وقد أوضح أزمة الكلام بطريقة سرورية مقال «شكرا مع الحجيلان» لمشاري الذايدي، حيث استند إلى بحث الدكتور ناصر الحجيلان بعنوان «اللازمة اللغوية الدينية في كلام السعوديين.. أنماطها ووظائفها الثقافية»، وكيف أنها تدل على مجموعة ذات انتماء فكري يتجاوز المنطقة الجغرافية، ويمتد وجودها إلى مساحة تتجاوز حدود البلد، لتلغي المفردات السرورية مفردات أهل المنطقة القديمة. طبعا.. غسل الدماغ السروري تجاوز الكلام إلى كيف تنام وكيف تمشي وكيف تقوم وكيف تقعد وكيف تلبس وكيف تنتبه لنغمة جوالك، كي لا تكون من أهل الفسق والمجون، بل قد يصل الأمر إلى كنيتك لتصبح «أبي القعقاع» مثلا.

عزيزي المعلم، الذي يعيش بصفته «معلما سروريا بطريقة لا إرادية»، سيحترمك الطلاب دون الحاجة لمفرداتك القديمة، بل سيحبونك ويشعرون بك داخل هذا العصر إن نقلت لهم «المناهج العصرية» التي تهيؤهم لمستقبل أفضل بدلا من الانشغال بأوهامك عن «علامات آخر الزمان» و«اقتراب الساعة»، لأن السروري الصغير بداخلك لم يجد له منفذا للسيطرة والنفوذ كما كان، فلم يعد ممكنا أن تختبئ وراء مسمى «داعية» أو «شيخ»، للتهرب من واجباتك التعليمية وانتظامك في الحصص المدرسية.

وزارة التعليم يجب أن تدرك رسالتها «التعليمية» لبلد يستعد لاستقبال مستثمرين أجانب، وسياح أجانب، ومن لا يرى في دولته إلا ما تراه «طالبان» في أفغانستان فهو خارج التاريخ، ومن يرى دولته عضوا في مجموعة العشرين، فقطعا يدرك أنه في سباق حقيقي مع الزمن.

أخيرا.. إن تَنَاغَم «منسوبو التعليم» مع «رؤية 2030»، وآمنوا بالتجديد والتطوير بشكل حقيقي وفعال، فنحن إلى خير، وإن «تكيف» منسوبو التعليم و«تلونوا» فقط مع رؤية «2030»، ولم يؤمنوا بالتجديد حتى في قاموسهم اليومي، فنحن بحاجة إلى استبدال شباب من الجيل الجديد (رجال ونساء) بهم لم تلوثهم السرورية، فما يحتاجه الطلاب ليس تكرار مفردات «كاسيتات الصحوة» السرورية، بل نريد أن يتشكلوا على يد إنتلجنسيا حقيقية من معلمين ومعلمات يمكن أن يصلوا لمرتبة «التكنوقراط»، فقد عشنا زمنا تحت رحمة المشغولين بإحضار الكفن لأولادنا، لتعليمهم الاستعداد للموت، ومن حقنا أن نعيش لنرى المشغولين بإحضار البرامج والتطبيقات لأولادنا، لتعليمهم الاستعداد للحياة الرقمية في عالم جديد.