حالفني الحظ في الحصول على كنز ثمين من المعلومات التي تكشف أسرار وكواليس إدارة الملف الاقتصادي في كل من صنعاء وعدن، ومفاجأة لم تكن بالحسبان بأن صنعاء تقف على جبل من جليد في اقتصاد العملة بخلاف ما توحي للرأي العام من قدرتها الفذة على السيطرة على القطاع المصرفي.

صنعاء وما تسيطر عليه تشتغل على تجفيف العملة المحلية، وتمارس سياستين: الأولى: عرض العملة المتهتكة والممزقة، ليقابلها عرض الدولارات «فئة 2003 و2006 فقط»، وهذا الأمر يجعل الإقبال على شراء الدولار غير مريح، وفي أحسن الأحوال ضعيف، وفي الوقت نفسه العملة الممزقة والدولار القديم تتمسكان بمسار طردي في سوق الصيرفة، فكلما زادت وفرتها قل الطلب على الدولار، وكذلك كلما زاد معروض الدولار القديم قل الطلب.

وفي المجمل، فصنعاء عندما أوقفت صرف الرواتب كان سلاحا ذا حدين، حيث نجحت في سياسة التجويع والإخضاع، وفي الوقت نفسه تجفيف السوق من العملة المحلية، وهذا خلق توازنا نوعا ما (سيطرة) ما بين الدولار والريال.

وإذا ضخت كل ستة أشهر بعض الريالات، فهي متهتكة وممزقة لا تسهم بأي حال من الأحوال بالسوق المصرفي في شراء الدولار، لتذوب في البيع والشراء، وينتهي بها المطاف لتتكدس عند التجار، في حين الدولار القديم المعروض في حالة «موت سريري»، أي منعدم الطلب، والبحث جار حول «الأزرق» شبه المعدوم. أما السياسة الأخرى، فهي في مناطق عدن والأخرى المحررة، حيث كانت المواجهة الاقتصادية على النقيض، إذ ضخت عملة مطبوعة جديدة من مختلف الفئات، ووديعة زرقاء (2009 - 2013 - 2017)، وهذا ما جعل المضاربة تأخذ تريند عالميا في اليمن، وكما يقال باللهجة اليمنية «الذي مايضارب بالعملة فليتفرج»، حتى وصل الحال إلى ما وصل إليه اليوم.

إذن اليمن اقتصاد أكلته آفة الفساد، والحديث ذو شجون، ويكفي أخباركم بأن شبكة «بلقيس»، التي تم الإيقاع بها من جهاز الأمن والمخابرات في صنعاء، ليس بسبب المبالغ التي أخذتها من العملاء، ولا بسبب الفوائد التي كانت تمنحها، بل يعزو ذلك لأن عددا كبيرا من شركائها في عملية المضاربة بالعملة (الصيارفة) كانوا يضاربون بأموال لشركاء من مسؤولي الحكومة أو محسوبين عليها أو سبق وعملوا معها، أي «غسل أموال».

وكما يقال «ياليلاه»، فمسئولو الحكومة يضاربون بالعملة في صنعاء، فما بالك في عدن، وقس على ذلك تطور آفة الفساد، وبموجبه سهل تفسير كيف تجاوز الريال اليمني الألف ريال في عدن. لنطوي الملف الاقتصادي، ودعوني أكشف لكم ملفا آخر، وهو ملف الإرهاب، ولدي قصة واقعية تكشف خفاياه، فأحد الراغبين في الانضمام إلى «داعش»، وأقصد شخص يمني من ذاته (متطوع)، قرر الانضمام، وهذا الشخص ذهب إلى «البيضاء»، وتفاجأ بأن «داعش» في «البيضاء» اعتقلته وحبسته، ثم أبلغت جهاز الأمن والمخابرات في صنعاء ليتم اعتقاله، وهناك شخص آخر غير يمني من أفريقيا، جاء بحرا من الصومال إلى المكلا، ثم أخذ سيارة وتوجه إلى «البيضاء» (خلي بالك هناك من سهل له دخول اليمن)، أبلغت «داعش» عنه، ليعتقل في إحدى النقاط التابعة لصنعاء في «البيضاء»، وكلاهما، اليمني والأفريقي، كانا معتقلين برفقة أمريكي، قتل صديقه بـ«سيئون» من قِبل «داعش» الحقيقية.

وبنبش ملف الأمريكي، وسبب اعتقاله، أتضح أنه تاجر سلاح، وكان يمرر صفقات تسليح لوزارة الدفاع اليمنية قبل 2011، بل كانت تربطه علاقات وثيقة مع كبار تجار السلاح في صعدة اليمن.

كما أجد نفسي مضطرا إلى تقديم مداخلة كتابية بخصوص الإنترنت والاتصالات في اليمن، تختصر بأن «90%» من الذي تم اعتقالهم كان إما عبر اختراق حساباتهم في وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر) وبريدهم الإلكتروني من بوابة الرقم اليمني لشريحة الهاتف، أو عبر التجسس وتتبع جوالاتهم أو رسائلهم النصية، خاصة الرسائل النصية الخاصة بالحوالات المالية التي تكشف أطرافا أخرى.

إذن، اليمن في حالة فوران، والاقتصاد في حالة انهيار، وبالنسبة للإرهاب، فلا يوجد إرهاب، بل شبكة مستوردي الإرهاب وصانعيه ومديريه شأنها شأن شبكة المضاربين بالعملة، وللحديث بقية.