(1) وذات ربيع، كتبت نصا شعريا، وأهديته إلى أهل «أبها»، قلت فيه:

إلى أبها حملت الشعر صافٍ .. وأندى من بكاء الطلِّ فجرا

لأن بها كرام الأصل طبعا .. حروف الشعر أنثرها جمالا

سلامٌ يا أهالي المجد حتَّى .. وأحلى من هديلك يا حمام

وأسنى من هطولك يا غمام .. وفيها الطيب عالٍ.. والمقام

على أبها وفيها ما يرام .. يقول الكون مثلي والسلام

يسعدني اليوم أن أستعيده وأستدعيه، لأقول إنني في كل مرة أزور «أبها» أزداد إجلالا ومحبة وتقديرا لكل من عرفته من أهلها، أهل الجود والكرم والمحبة والإنسانية.

(2) واليوم، أسرتني «أبها» وأنا أطل عليها من آخر جبل مشرف عليها للقادم من مرتفعات «السودة»، فأرى البياض يتوج مبانيها وأبراجها مع انعكاسات الشمس عليها، فقلت يا اااالله.. ما هذا البياض الذي أراه، إنها «أبها البيضاء!!» أو «أبها البياض»، الذي يأسر النظر إليها، ويوحي بالشعر والنثر، فقلت:

على مشارف أبها كنت في شغفٍ .. من البياض الذي أسرى بوجداني

سبحت في عالم الأنوار مبتهجا .. أني لأبها عميق الحب روحاني

يا فتنة أسّرجت في القلب صبوتها .. حتى تنامت على روحي وشرياني

(3) غبت عن «أبها» طيلة فترة «كورونا»، وجئتها اليوم سائحا، مطلعا، مستذكرا أيامي الخاليات. كانت عشقي الدائم في كل صيف، نزورها مع الزوجة والأبناء والبنات!!. هذه المرة جئت عجلا، فامتلأت أيامي الثلاثة بالأصدقاء والزملاء وأهل العلم والأدب الذين أحاطوني بالمحبة واللقاءات الممتعة، والأحاديث المتفرعة، وامتلأت أيامي الثلاثة بالجولات السياحية في المعالم والإحداثيات الجديدة والمتجددة في «أبهانا البهية»، جسور، وطرقات واسعة، وأنفاق وميادين، وشارع الفن، والممشى المظلل بشجر «الجاكرندا» وزهورها البنفسجية، والمقاهي الشبابية، وحديقة «أبي خيال»، وفندق «سروات بارك»، وما حوله من معالم سياحية، ومسرح «طلال مداح» بالمفتاحة، وسوق الثلاثاء الشعبي.

أيام ثلاثة وامتلأت نفسي وروحي بهذه الجماليات التي أوقدت فيَّ طاقة إيجابية، ما زال أثرها حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها، فلله در الجمال والطبيعة التي تؤنس القلب، وتغلف الروح بالأفراح والمسرات!!.

(4) أذكر من جماليات هذه الجولة السياحية لقائي الزميل العزيز البروفيسور عبدالحميد الحسامي، أستاذ النقد والأدب في جامعة الملك خالد، وأحد الناشطين الثقافيين، الذي له صولات وجولات في مشهدنا الثقافي، وهو أحد أبناء اليمن الشقيق، ويعمل في الجامعة منذ 2009م، وله جهود نقدية وشعرية عبر المنابر الأدبية والملتقيات الثقافية، وخدم المشهد الثقافي السعودي بالكثير من البحوث والدراسات والمحاضرات النوعية والمتميزة، التي حازت بعضها على الجوائز والشهادات التقديرية.

التقيته مساء الثلاثاء في أحد المقاهي الشعبية، وتناولنا الحديث الأدبي والثقافي في سهرة أخوية ماتعة، أهديته فيها بعض كتبي حديثة التأليف، وتحاورنا في مجمل الفاعليات الثقافية التي تعيشها بلادنا السعودية، وجارتنا الشقيقة اليمن السعيد إن شاء الله.

ومن الجماليات الفاتنة في هذه الجولة السياحية لقائي ثلة من الرواد/المتقاعدين الذين يجتمعون يوميا في منتدى الرواد، الذي هيأه ونظمه نادي أبها الأدبي منذ أيام المرحوم – إن شاء الله – الأديب محمد الحميد، رئيس النادي الأسبق، ويشرف عليه ويتابعه ويهيئ له سبل الالتئام والانسجام والاستمرار رئيس النادي الحالي، الأستاذ الدكتور أحمد آل مريع، فله كل الشكر والذكر الحسن.

وفي يوم الأربعاء 20/11/1442هــ - ما بين الحادية عشر وحتى الواحدة والنصف - تعرفت على الثلة المباركة: الحسن أحمد الحفظي، وخالد بن شايع عسيري، وحسين عبدالله هبشي، وأحمد إبراهيم القبيعي، ومحمد الحمراني، وحسين علي البشري، ومحمد يحيى النعمي، وفهيد عبيد المحيميد (مع حفظ الألقاب والمراتب).

التقينا وتحاورنا في مسائل تاريخية واجتماعية، وعرَّفتهم على نفسي بأني باحث في تاريخ منطقة عسير أيام الدولة العثمانية، ولي في هذا كتابان أحدهما من إصدارات نادي أبها الأدبي (أضواء على مذكرات سليمان باشا متصرف عسير)، وطالبتهم بالتأكيد على أخينا رئيس النادي إعادة طبعه وتوزيعه على مثقفي ومتقاعدي المنطقة، ووعدتهم بإرسال 20 نسخة من كتابي الثاني «العثمانيون وحكومة الأدارسة في عسير»، وقد أوفيت بوعدي اليوم 24/11، حيث أرسلت النسخ، ولعلها الآن بين أيديهم!!.

وفي ظهيرة هذا اليوم، كنت على موعد مع الجمال العسيري والروح الأبهاوية المعطاءة، حيث استضافني الأخ الأستاذ الدكتور عبدالله بن أحمد حامد، أستاذ الأدب والنقد بجامعة الملك خالد، في دارته العامرة بأبها البهية، حيث جمع ثلة من أدباء المملكة الذين يزورون محافظة «النماص» بدعوة من أخينا الدكتور ظافر العمري. وقد ألح – حفظه الله – على مشاركتي وحضور هذه الجمعة النوعيَّة، وكانت مائدة الغداء واللقاء القبلي والبعدي جلسة عمل ونقاش وحوارا أدبيا ماتعا كمتعة لقائي الأساتذة الدكاترة الأدباء والنقاد محمد الربيع، وحمد الدخيل، وسعد العطوي، وأحمد الطامي، وعبدالله الزهراني، وعبدالرحمن الهليل، وصالح العليوي، وعبدالله الحيدري، وسعد الرفاعي، وأحمد النزاوي، الذين غادروا مساء ذلك اليوم إلى «النماص»، لاستكمال جولتهم السياحية والأدبية، وكلِّي أسف لعدم التمكن من إجابة دعوة أخي الدكتور ظافر العمري، والمشاركة في هذه الزيارة الموفقة، التي تابعت فاعلياتها عبر التغريدات «العليوية»، وفق الله الجميع.

وكذلك من الجماليات الفارعة لقائي الأديب التربوي المؤرخ علي بن الحسن الحفظي، الذي أخذني في جولة معرفية وسياحية إلى متنزهات «عقبة ضلع»، حيث الأجواء التهامية الماتعة حول شعاب وأودية «ضلع» وجبالها الصامدة، ومتعة الطبيعة الفارهة والمريحة للنفس والبدن. ومع القهوة والتمرة والكعكة والقشر والشاي الأنيق، والحوارات التاريخية والذكريات التربوية والقصائد الشعرية، قضينا الوقت ما بين الرابعة عصرا حتى السابعة مساء. فأنعم بصاحبي وجزاه الله عني كل خير.

ومن تلك الجماليات العالقة في ذهني ذلك المساء المعطر بروح الزمالة التربوية، حيث استضافني الأستاذ القدير عبدالكريم العلكمي، وأولاده المباركين: خالد وأنس وأحمد وسلمان، وجمعنا بثلة من مثقفي المنطقة، ومنهم الدكتور عبدالله بن محمد الحميد، والشاعر حسين النجمي، والأخ التربوي محمد العلكمي، وكانت سهرة تربوية وأدبية وشعرية، واستضافة حاتمية / عسيرية / علكمية لا تستغرب على زميلنا الأستاذ عبدالكريم، الذي تشرفت به معلما في ثانوية جرير بجدة في العامين 1409هـ و1410هـ، يوم كنت مديرا لها، وما زالت العلاقة الأخوية والتربوية تربطنا حتى يومنا هذا!!.

(5) وتمضي الساعات لأجدني في آخر المحطات السياحية والساعات القليلة المتبقية لي في هذا الجمال «الأبهاوي»، ومواطن السحر الحلال عصر مساء يوم الخميس 21/11/1442هـ، حيث تأهبت لجولة سياحية إلى متنزه السودة. المتنزه الأم في سياحة عسير، والمتنزه المتجدد والمتطور، ففي كل عام نجد إضافة جديدة ومتميزة مثل السوق الشعبي وعربات التليفريك وشعارات الصحة التي تقول «نتنزه.. بحذر»، واحتضان شجر العرعر أمواجا من المتنزهين الذين اتخذوا من ظلالها موطئا ومستقرا لقضاء نزهة يوم كامل من الصباح الباكر وحتى المساء الباهر، وكلهم يلهجون بالدعاء للقيادة الرشيدة التي كللت هذه المنطقة بتاج من التطوير والتنمية، متمثلا في «شركة السودة للتطوير»، التي أعلن إنشاءها سمو ولي العهد في غضون الأشهر الثلاثة الماضية، والتي يمتلكها «صندوق الاستثمارات العامة»، وتهدف إلى الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير القطاع السياحي والترفيهي، لتصبح «السودة» وما جاورها محطة سياحية وترفيهية عالمية وجاذبة طيلة العام!!.

هناك في «السودة»، وجدت أحد «نشامى عسير»، تلك الفئة الشبابية التي أطلق عليهم سمو أمير المنطقة، الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز، هذا اللقب. وجدت أحدهم يملك مقهى حداثيا، أطلق عليه اسم «velvet cafe»، وهو في موقع فريد مطل على المزارع والوديان القريبة من قمة «السودة»، ويقدم أنواع القهوات الشبابية والحلويات العصرية في لطف من المعاملة وحسن ذوق من الضيافة، وخلق فاضل واحترام لمشاعر الزبون/ الضيف.

كنت أبحث طيلة هذه الجولة عن مقهى مرتفع، لأستريح من وعثاء الطريق وزحام السيارات، وأستمتع بالأجواء البانورامية في «سودة عسير»، فوجدت هذا المقهى، وهذا الشاب الذي رحب بي أجمل ترحيب، واستقبلني أحسن استقبال، فوجدته شابا أنيق المظهر، جميل المخبر، على خلق وذوق رفيع، تعرفت على اسمه، محمد الهاجري/ القحطاني، شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين، صرف جهده ووقته لهذا المقهى، إنشاءً وإشرافا وعملا فرديا، فحاز قصب السبق فيما يعرف بالنجاحات والمنجزات الشبابية المتفاعلة مع «رؤية 2030»، وجيلها المتوثب نحو الطموح وخلق الفرص الاستثمارية، لتحقيق النجاحات المستقبلية.

هذا الشاب (محمد الهاجري) أسرني بأخلاقه العالية وروحه الشبابية وذوقه الإنساني، إذ لما طلبت منه إحدى الزبونات تشغيل الموسيقى، جاءني يستأذن في ذلك، فتحاورت معه في مسألة التحريم والتحليل للموسيقى، وقال إن اختلاف العلماء في هذه المسألة واضح وبين!!، فقلت له: وأنت إلى ماذا تميل من اختلافات العلماء؟، فأجابني إلى الرأي المبيح للموسيقى، فقلت له: حكِّم قلبك وعقلك فيما يشكل عليك من مسائل الدين، وذهب لتشغيل الموسيقى الهادئة، ثم أغلقها بعد أن جاءت أسرة ومعها غداؤها، فسألته لماذا أغلقت الموسيقى وأنت تحبذ سماعها؟، فقال إنه يحترم الطعام ووقت الطعام، فهو وقت ذكر وعبادة وطاعة!!.

شاب جميل – على الرغم من اختلافي مع وجهة نظره – لكني احترمت موقفه وأكبرت ذوقه وإحساسه، وأعجبت بمنطقه وحواره، وقبل ذلك أنست بروحه الطموح العالية ورؤيته المستقبلية، واحترامه زبائنه واستشارتهم!!.

شكرا محمد الهاجري لروحك الشبابية وإنسانيتك العذبة، فأنت أحد نبتات هذا الوطن الذي ينتج المبدعين، ويحتفي بالمستنيرين، ويتوج العاملين الكادحين المخلصين!!.

(6) وأخيرا – وأنا في طريق العودة للمطار – استعدادا للسفر الوشيك، حيث أغادر هذه المدينة الحالمة والسياحة العالمة، أدركتني صلاة العشاء عند مسجد الشيخ محمد البشري، فتوقفت لأستمتع بهذا الجمال الباذخ، تحفة معمارية روحانية، وتشطيبات فنية عامرة بالجماليات الإبداعية، وتكسيات جدارية أخاذة تتوجها الآيات القرآنية وأسماء الله الحسنى المكتوبة على أعمدة المسجد، والإضاءات الموزعة على جوانب القاعة المخصصة للصلاة، والنجفة الكبرى التي تتوسط القبَّة، فضلا عن الإبداعات الإضافية في ملاحق المسجد/الجامع، حيث دورات المياه، وممرات الوصول إلى أبواب الجامع، والكراسي المعدة للمنتظرين، وكل ذلك في انسجام وتكامل بصري موحٍ بالراحة والروحانية، فجزى الله القائمين على هذا الجامع خير الجزاء.

وها أنذا أعود إلى جدة، محملا بهذا الكم الكبير من الإيجابيات والجماليات التي حملتني بطاقة إيجابية، سأظل مكتنزها حيوية وذاكرة وسيمفونية عطاء!!.