أحد معلمي مدينة جدة تقدم بطلب لمدير مدرسته للقيام برحلة علمية، وبعد التوسل إليه وكثير من عناء أسئلة الطلب وحروف التمني تصاحبها جمل إنشائية لفوائد الرحلة وأهدافها، وأخيراً حصل على الموافقة من صاحب السعادة بعد توصيات عتيقة بأخذ موافقة أولياء الأمور، وجمع مبالغ الرحلة منهم، ووعود ووعيد برد فائض (الميزانية) لصندوق المدرسة!
انطلق المعلم فرحاً بمشروعه إلى طلابه، اجتمع بهم في الصف الثالث ابتدائي (أ)، أخبرهم بالرحلة ونظامها وتفاصيل جعلت الطلاب ينتشون فرحاً لرحلةٍ ترفيهية (يتيمة) إلى حديقة حيوانات - كانت هناك - تسمى (الأنعام الجميلة)، هموا بركوب الباص (المستأجر) والكون لا يسعهم، وسار بهم على مهل عابراً شارع التحلية، اقترنت وقفاته بقراءة الطلاب للوحات المحلات التجارية التي تمر بهم، قاموا حينها برصد الأخطاء الإملائية الشائعة التي كانت تتخطى عدد خطاطي المدينة الذين لا يجيدون اللغة العربية أصلاً!.
بعد هذا الفاصل الإملائي التطبيقي، وصل الطلاب إلى حديقة الحيوانات، ثم وزع المعلم عليهم تقاريرَ يقومون بتحليلها واكتشافها بالملاحظة من خلال الحيوانات المُشاهدة، كانوا كخلية نحل نشطة ينهلون رحيق المعرفة والحقائق العلمية المتناسبة مع ما درسوه في مادة العلوم عن الحيوانات وأنواعها وتصنيفاتها، قدم الطلاب تقريراً متكاملاً عن كل ما شاهدوه ، وفاصلٌ عملي بطريقتهم الخاصة تعلموا فيه بالاستكشاف والملاحظة، التقطوا صوراً، ورسموا أجمل لوحات تذكارية تضمهم.
بدؤوا رحلتهم بأقلام رصاص وأوراق مجدولة لم تمح من ذاكرتهم تلك الرحلة العظيمة التي اختصرت مسافات جدول حصصٍ، وصفحات مجلد كتاب، وشرحٍ متواتر بما تبقى من علبة الطباشير المتفتتة في يد معلم بُح صوته من أجل تعليم أفضل، تعلموا كيف يكتبون، وأعدوا نظاماً تعليمياً لرحلتهم، خُتمت الرحلة بأجمل أناشيد وقفت بباصهم أمام المدرسة، عادوا إلى منازلهم ليكملوا تقاريرهم بتصحيح الأخطاء الإملائية، أما معلمهم فقد قدم تقريراً لإدارة المدرسة بعد الرحلة، وبقي سؤال المدير الأهم كم تبقى من (فلوس) الرحلة!.
وبشهادة سمو وجذوة فرح زفها أولياء الأمور لأبنائهم بنقلة نوعية لامسوها في قراءتهم وملاحظتهم، بعد أن أصبحوا في كل شارع يمرون به منقحين لغويين، تتهافت أعينهم وعقولهم على الأخطاء الإملائية التي كانت منتشرة في كل طريق يتخذونه!.
تلك الرحلة العلمية التي دونتها تلك الأنامل المستقبلية كانت قبل اثني عشر عاماً بجهد شخصي من (معلم) فكر في مستقبل تلاميذه الصغار الذين غدوا متناثرين الآن في جامعات العالم، تقول الإيطالية ماريا مونتيسوري: "إن كنا ننشد العون والخلاص، فيجب أن ننشده من الأطفال، فالأطفال هم صانعو المستقبل"، وذلك فعلاً مسار المستقبل ورؤيته لأن التركيز على البراعم القابلة للنمو أفضل كثيراً من تلوين الأزهار الذابلة، وهذه الأساليب والتجارب التربوية المتميزة التي نقرأ أو نسمع عنها لكثير من معلماتنا أو معلمينا المتميزين نحن في أمس الحاجة لها ولدعمها والإعلان عنها واستنساخها بكل ما نملك ما دامت مدارسنا ومناهجها ومقرراتها ومبانيها تعاني من ضعف الجذب والتشويق في تعليمها لأبنائنا ولا تصل حتى لإقناعهم نفسياً أو تربوياً.
صحيحٌ أن تعليمنا اليوم يعج بمسميات عديدة لمدارس يدعي (بعضها) تبني أهداف جاذبة ومشوقة للطلاب، بدءاً من المدارس الرائدة والمستقبل والمستقلة مرورًا بالجاذبة والترفيهية والذكية...، ومدارس أهلية يساوم أغلبها كل عام جيوب أولياء الأمور بادعاءات مزيفة، وإعلانات مبتذلة وحجج لمناهج (عالمية) منافسة.. ولكنك عندما تتفحص الكثير منها تجد أن الجذب التعليمي مفقود فعلاً، وليس سوى مسميات زائفة واهمة لكنها بخطوط ملونة بارزة فقط!.
مواجهة المستقبل بفكر وطرق الماضي تعني توقف الحياة؛ فالشيء الذي نؤديه بشكل قد يُعتقد أنه جيد في الوقت الحاضر يجب أن نؤديه بشكل أفضل في المستقبل القريب، وأجيالنا اليوم محتاجة إلى مدارس تؤصل لديهم استيعاب المفاهيم العلمية تطبيقاً وتفاعلاً مباشراً مع المعرفة، وتلاقحاً مع استيعاب المفاهيم والتجربة والتطبيق المباشر في طقوس جاذبة ممتعة لتنمية مهاراتهم، وبناء شخصياتهم واكتشافها باستقلالية كاملة بعيداً عن وصاية معلم أو ورقة امتحان ...، ونخشى أن هذا الجزء سيطول انتظاره من مسلسل مشاريع تطوير التعليم لدينا الذي تحاول فيه وزارة التربية والتعليم أن تلحق بركب التربية الحديثة ونظرياتها ومدارسها المتقدمة، لكنها لم تصل مادامت حتى الآن لم تصل إلى تشكيل رؤى مستقبلية لعقول (أطفالنا) أو إلى جهود حثيثة الفكر والتخطيط لنقل تعليمنا التقليدي في جميع مراحله نقلة نوعية حديثة ترقى بطلابنا ليكتبوا بأناملهم المستقبل بدلاً من إهداره لهم !