المؤسسات الاقتصادية التي ليس لها بعد اجتماعي، ولا تهتم بمسؤوليتها الاجتماعية تجاه المجتمع، غير جديرة بالاحترام والتقدير مهما كان دورها الاقتصادي، وغير جديرة بالحصول على دعم ومساندة الدولة لها، سواء أكان بالإقراض الحكومي أو بقية المميزات الأخرى. ويؤسفني كل الأسف أن أسجل اليوم أن غالبية المؤسسات الاقتصادية في المملكة متقاعسة عن القيام بدورها ومسؤوليتها الاجتماعية التي نتطلع لها وترقى لمستواها. وأخص على وجه التحديد الشركات بأنواعها التي تحظى بالقروض الميسرة الحكومية والشركات والمؤسسات التجارية التي تستفيد من الخطوط الائتمانية لتمويل وارداتها، وعلى وجه التحديد شركات استيراد السيارات والمعدات والأدوية والدخان وتوابعه. ويدفعني حماسي أحياناً إلى المطالبة بفرض ضرائب بمسمى ضريبة المسؤولية الاجتماعية على الشركات المساهمة، وعلى وجه الخصوص البنوك التجارية السعودية التي تحقق أعلى الأرباح في العالم والشركات الممولة من الدولة والشركات المملوكة للدولة بأنواعها، على أن تدفع هذه الضريبة لصندوق يتم إنشاؤه باسم صندوق المسؤولية الاجتماعية. وقد سبق أن طالبت بإنشاء هذا الصندوق بتمثيل في العضوية من دافعي ضريبة المسؤولية الاجتماعية على أن تعمم خدماته على جميع مناطق المملكة بالتنسيق مع وكالة وزارة الشؤون الاجتماعية لشؤون الضمان الاجتماعي. وليس تحت سيطرة أي وزارة ما عدا المؤسسات الرقابية.
إن ما يدفعني دائماً لطرح هذه الفكرة الحاجة الماسة لمشاريع المسؤولية الاجتماعية بصفة مستمرة وغير مرتبطة بتعاون أو تقاعس القطاع الخاص، رغم أن هناك مبادرات متميزة لبعض المؤسسات الاقتصادية في هذا المجال، ويأتي على رأس هذه المؤسسات البنك الأهلي التجاري أكبر وأقدم بنك تجاري في المملكة والذي تجاوزت الاستفادة من برامجه في مجال المسؤولية الاجتماعية حوالي 670,000 إنسان حتى نهاية العام الماضي. ويعتبر برنامج الأهلي للأسر المنتجة إحدى العلامات الفارقة في مشاريع المسؤولية الاجتماعية للبنك الأهلي، والذي استفاد منه أكثر من ستة آلاف وخمسمئة أسرة خلال السنوات الخمس الماضية. وهذا نموذج من النماذج المضيئة التي نوه عنها أخي معالي الدكتور يوسف بن أحمد العثيمين في كلمته في ملتقى الأسر المنتجة الذي أنهى أعماله الأسبوع الماضي..الملتقى والمعرض الذي نجح منظموه في تقديم صورة مشرفة لبعض الصناعات الحرفية والمشغولات اليدوية، والذي سيعمل على تحويل فكر الأسر المنتجة إلى فكر اقتصادي له مردوده على هذه الأسر، ويعمل على تحويلهم من أسر فقيرة ضمن قائمة أرقام الفقراء في المملكة إلى أسر منتجة ضمن قائمة العاملين لحسابهم الخاص. إن دعم برامج الأسر المنتجة ينبغي ألا يقوم على المفهوم الخاطئ لدى البعض بأنه جزء من الصدقات والهبات، وإنما هو في الحقيقة جزء من مسؤوليات القطاع الخاص تجاه المجتمع وعلى وجه الخصوص الأسر المنتجة والتي تتبنى مسؤوليتها وباحترافية وكالة وزارة الشؤون الاجتماعية للضمان الاجتماعي، وهي الوزارة المعنية بمشاريع دعم الفقراء، إلا أنه ورغم الجهود التي تبذلها هناك تقاعس وتجاهل كبير من القطاع الخاص، ولهذا فإنني عندما أطرح فكرة ضريبة المسؤولية الاجتماعية من الأرباح السنوية المحققة أهدف بذلك إلى عدم ترك فكرة المسؤولية الاجتماعية لأهواء الأشخاص القائمين على إدارة شركات القطاع الخاص والذين يربطون مشاركاتهم أحياناً بالشكليات أكثر من المضمون، مثل حضور المسؤولين للمناسبات، أو يتفاعلون نتيجة ضغط أمراء المناطق والوزراء عليهم.
إن فكرة صندوق المسؤولية الاجتماعية هي فكرة مطبقة في عدد من الدول النامية وإن اختلفت المسميات. وتدعم حكومات الدول هذه الصناديق سنوياً من أموال دافعي الضرائب. وأنا أقترح أن يمول صندوق المسؤولية الاجتماعية في المملكة من مصادر متعددة منها الضرائب على أرباح الشركات المساهمة، ومنها صندوق تنمية الموارد البشرية، لأن هدفه ينبغي ألا يكون التوظيف فقط وإنما يمتد إلى دعم العمل للحساب الخاص، لأن النتيجة واحدة وتحقق هدفا مشتركا وهو التشغيل بهدف خفض نسب البطالة وبالتالي خفض نسب الفقر. كما أقترح أن تكون الدولة أول وأكبر المساهمين في دعم ميزانية هذا الصندوق، فالمملكة من أكبر الداعمين والمساندين لصناديق الفقراء في العالم، ومن أوائل الداعمين بالتبرعات والمساهمات وبالقروض طويلة المدى للدول النامية والفقيرة عربية أو إسلامية أو غيرها.
إن فوائض إيرادات أسعار البترول المرتفعة تدفعنا للمطالبة بتخصيص جزء من هذه الفوائض لدعم صناديق تنموية للفقراء ولذوي الدخل المحدود، وعلى وجه الخصوص لتنمية دور الأسر المنتجة. ومن وجهة نظري الشخصية فإن دعم إنشاء صندوق للأسر المنتجة أولى من دعم مشروع حافز لمعالجة البطالة، فلوا أعطيت مساهمة حافز للأسر المنتجة فمن المؤكد ستكون الاستفادة أكبر، لأن الأسر المنتجة تعمل لتشغيل الأسرة بكاملها وليس لتشغيل فرد فقط.
إن طرحي اليوم ينبثق من قلقي وحرصي على القطاع الخاص إذا لم يقم بدوره من أن يتحول إلى قطاع مستهدف من الفقراء شباب وأسر منتجة، وبالتالي سنرى ما لا تحمد عقباه، فالتعاون المشترك بين جميع القطاعات الحكومية والخاصة قد يجعلنا نتدارك ما قد فاتنا من قصور تجاه مسؤوليتنا الاجتماعية.
لقد كتبت وكتب غيري، وفي كل مناسبة أو معرض أو منتدى للمسؤولية الاجتماعية يتسابق الكتاب لطرح الآراء والأفكار الإيجابية إلا أننا نكرر كلماتنا وأفكارنا كل عام، وأخشى أن يجبرنا الظرف في يوم من الأيام على اتخاذ قرارات سريعة لمعالجة الموقف وقد يكون مكلفاً وسيرفع الثمن.