كل شخص يفرح ويفخر بأي عمل وإنجاز يحققه سواء أكان صغيرا أو كبيرا وذلك من حقه مقابل ما بذله من جهد. ومع نهاية كل إنجاز نسمع من صاحبه طلب التغذية الراجعة من أجل الارتقاء والتقدم والتطوير. وقوفا عند أحد المواقف التي حدثت في الهند قبل سنوات عندما كنا في ورشة عمل للتوظيف.

في نهاية الورشة نظم المنسق المسؤول عشاء عمل في أحد المطاعم، وعند اللقاء قدم الشكر للمشاركين وكالمعتاد طلب التغذية الراجعة للاستفادة من الدروس والملاحظات في الورش اللاحقة. بدأ بعض المشاركين بالشكر والثناء وذكر الإيجابيات. عندما أتى دوري قدمت الشكر وذكرت بعض الإيجابيات وأردفت بذكر بعض المقترحات للارتقاء. ذكرت المقترح الأول فتغيرت ملامح وجه المنسق، وذكرت المقترح الثاني فبدأ يدافع تارة ويبرر ويهاجم تارة أخرى، فشعرت بأنه ليس لديه أريحية لتقبل المقترحات وإنما يريد فقط سماع ما يريد سماعه من عبارات الشكر والإطراء والتغذية الإيجابية.

استمرت باقي الجلسة مع باقي الزملاء بإسماعه ما يريد سماعه مع نزر يسير من الملاحظات السلبية. لا شك بأن كل منا قد واجهه مثل هذا الموقف أو لربما كان هو في موقع المنسق أعلاه ويطلب التغذية الراجعة، ولكنه يتأذى عند سماع بعض الملاحظات التي لا تتوافق وتتلاءم مع مزاجه وما يتوقع سماعه من الإطراء، فيسلك نفس السلوك بالدفاع والتبرير والهجوم، والبعض قد يتخذ موقفا عدوانيا ويقطع العلاقات من جذورها.

بالنقد فعلا نرتقي ونتقدم خصوصا عندما يكون بنّاءً من شخص صادق أمين مخلص ليس له أغراض شيطانية أو مآرب أخرى، ولكنه لا بد أن يكون بأسلوب حضاري وبأدب واحترام، وألا يتم التركيز فيه على الجانب السلبي فقط وإهمال الجانب الإيجابي، وألا يكون على الملأ من أجل التشهير والتسقيط. حتى وإن طلب الشخص النقد فلا يعني ذلك فتح الباب على مصراعيه والكيل بكم هائل من الملاحظات السلبية التي تؤذي مشاعره وتحطم معنوياته وتصيبه بالإحباط بل لا بد من الموازنة والإنصاف.

فكم من شخص استسلم وترك هواياته ومواهبه وإعادة المحاولة لأي عمل أو إنجاز بسبب النقد الجارح الذي تلقاه، والبعض الآخر يتحاشى القيام بأي عمل خشية النقد بالرغم من عدم صحة الموقف، فمن يتبع هذا المنهج سينتهي به الأمر بالتقوقع في مكانه وعمله الروتيني الممل الذي اعتاد عليه والمكث في منطقة الراحة... وحتى لو انتهج هذا المنهج لن يسلم من ألسنة الناس وسيجد من ينتقده. المداراة ومراعاة المشاعر من المطالب التي نحتاجها جميعا، ولكن لا ينبغي أن يتحول الأمر إلى مجاملة ومحاباة ونفاق وغش بالمبالغة بتقديم المدح والتغذية الإيجابية، خلافا للواقع والحقيقة من أجل مراعاة المشاعر والتحفيز والتشجيع ورفع المعنويات التي توهم الشخص بكمال العمل وخلوه من الملاحظات الجديرة بالوقوف عندها.

وأحيانا يكون الأولى التزام الصمت عند قراءة الموقف ونفسية الشخص ومدى قابليته للنقد من أجل عدم الدخول معه في جدال ونزاع عقيم.

وإن كان النقد غير مريح وبطبيعتنا نحب دائما سماع ما هو جميل إلا أن ذلك له سلبياته في إخفاء العيوب والأخطاء والاستمرار على تكرارها.

من جهة أخرى ليس شرطا بأن الآراء ووجهات النظر الأخرى هي الصحيحة، وإنما على المتلقي تقبلها بصدر رحب وهدوء واحترام ودراستها وتقييمها، فإن اقتنع بها أو تركها ووضح وجهة نظره مع المحافظة على الهدوء وعدم الدخول في جدال ولجاجة وخصام، فينتفي بذلك الهدف المنشود من التغذية الراجعة ويُحجم الناقد عن المشاركة برأيه.