نظرية الكم
فكر العديد من العلماء في العلاقة بين كوري وأينشتاين، على الرغم من ندرة الأدلة المطلوبة لتأسيس وجهة نظر مستديرة عنها. كانت المحاولة الأخيرة هي «روح العبقرية» لجيفري أورينز- مهندس كيميائي سابق وكاتب تاريخي. يهدف الكتاب من خلال وثائق تاريخية حول صداقة مُرضية بين ألبرت أينشتاين وماري كوري، إلى إلقاء الضوء على العلاقة بين العالمين، والتي ازدهرت لأول مرة في افتتاح مؤتمر سولفاي أواخر أكتوبر 1911. في هذا التجمع المهم في بروكسل، فكر 18 من علماء الفيزياء الأوروبيين البارزين في فشل النظريات الكلاسيكية في تفسير عدة ظواهر و ظهور نظرية الكم الجديدة.
أبهر أينشتاين الذي كان بالفعل عالما مشهورا دوليا، بـ«الذكاء المتلألئ» المشاركين في المؤتمر، بينما كان أصغر المشاركين كوري، التي تأثرت بأينشتاين.
المؤتمر كان يضم أعظم العقول في علوم الفيزياء، وهو لقاء لا مثيل له، فما يقرب من نصف الحاضرين فازوا أو رشحوا للفوز بجائزة نوبل. على مدار أيام المؤتمر، بدأت تلك العقول تدرك أن الفيزياء الكلاسيكية كانت على وشك أن تفسح المجال لنظرية الكم، وتصبح زلزالا في تاريخ البشرية، وكيف نفهم ليس فقط عالمنا، ولكن الكون.
علاقة غرامية
خلال المؤتمر كانت ماري كوري على وشك الحصول على جائزة نوبل الثانية لها، لكن الفضيحة اندلعت من حولها عندما كشفت الصحافة الفرنسية أنها كانت على علاقة مع زميلها المتزوج العالم بول لانجفين، وهي الأرملة بعد وفاة زوجها.
وجدت كوري نفسها في عاصفة هددت إرثها العلمي، وكانت موضوع الهجمات الشرسة المعادية للمرأة وكراهية الأجانب في الصحافة الفرنسية. في اليوم التالي لانتهاء المؤتمر، أصبحت كوري- الأرملة- بؤرة فضيحة في الصحافة الفرنسية، التي نشرت دليلاً على أنها كانت على علاقة غرامية مع لانجفين. أدت الرسائل المسربة وتقارير عدم الالتزام إلى نوبة جنون في الصحافة الفرنسية. حتى أن جائزة نوبل الثانية لكوري بعد بضعة أسابيع لم تستطع رفع معنوياتها. كتب لها أينشتاين لتقديم دعمه القوي لها إضافة إلى نصيحة: «إذا استمر الرعاع في الانشغال بك، إذن ببساطة لا تقرئي هذا الهراء».
شخصان معقدان
الوثائق التي اعتمد عليها الكتاب، والتي لم تُنشر سابقا من أرشيف الفيزيائي الفرنسي ليون بريلوين، تجعل وصف أورينز لتجربة كوري الحارقة حيوية ومزعجة بشكل خاص. ومع ذلك، فإن المادة الجديدة المنشورة في الكتاب تلقي ضوءاً أقل على علاقتها بأينشتاين مقارنة بالمعاملة الشريرة التي كان عليها المجتمع الفرنسي في ذلك الوقت لنساء بارزات لم يتبعن أعراف المجتمع المهذب.
فيما تسلط صفحات «روح العبقرية» الضوء على التقاء ماري كوري وألبرت أينشتاين وتأثير هذين الركنين العلميين في عالم الفيزياء الذي كان في حالة اضطراب، تشير من زاوية أخرى إليهما، كشخصين معقدين في الحياة، ويكشف جيفري أورينز في الكتاب عن الجانب الإنساني لهذين العالمين اللامعين اللذين طالب أحدهما- كوري- بمساواة المرأة في عالم الرجل، بغض النظر عن التكلفة، بينما الآخر- أينشتاين- كان مقدرا له أن يصبح مرادفا للعبقرية.
عمق صداقتهما
لم يتعرف كوري وأينشتاين على بعضهما عن كثب حتى عام 1922، عندما عاشا 9 سنوات من التعاون في مشاريع لجان عصبة الأمم التي خدما فيها. توضح سجلات اللجان أن الاثنين اتفقا على معظم الأمور، وأنهما توافقا بشكل جيد، على الرغم من بقاء القليل من التفاصيل الغائبة عن لقاءتهما. حيث التقى كوري وأينشتاين للمرة الأخيرة في اجتماع سولفاي في أكتوبر 1933، قبل 9 أشهر من وفاتها في مصحة بجنوب شرقي فرنسا عن عمر يناهز 67 عامًا. في يناير 1935، نظمت السلطات البولندية حفلا تذكاريا على شرفها، أقيم في متحف نيكولاس رويريتش في مدينة نيويورك، وخلاله كشف تقدير أينشتاين لحياتها شيئا من أكثر الأدلة إقناعا على عمق صداقتهما وعمق إعجابه بها: «لقد كان من حسن حظي أن أكون مرتبطا بالسيدة كوري خلال عشرين عاما من الصداقة السامية والصريحة. جئت لأعجب بعظمتها البشرية بدرجة متزايدة. قوتها، ونقاء إرادتها، وتقشفها تجاه نفسها، وموضوعيتها، وحكمها غير القابل للإلغاء، كل هذه الأشياء كانت من نوع نادرا ما وجدته مرتبطا بفرد واحد».
أمور هامشية
يخصص أورنيز مساحة صغيرة بشكل مدهش لهذه الشهادة، من قبل أينشتاين، وغالبا ما تجعل هذه الالتفافات وغيرها، من الصعب متابعة تطور العلاقة الإنسانية، فبعد قراءة مجزية للكتاب تتكشف للقارئ رؤية عن علاقة يشك في أنها أكثر تعقيدا مما توحي به الوثائق الموجودة. بخاصة أن عشرات الصفحات خاضت في أمور هامشية نسبيا. في الفصل التاسع- على سبيل المثال- يبدأ بسرد مطول لثوران بركان كراكاتوا، والذي كان بمثابة مقدمة للكيميائي السويدي سفانتي أرهينيوس الذي تبين أنه عضو مؤثر في لجنة جائزة نوبل.
جيفري أورينزج
مهندس كيميائي
المدير التنفيذي للأعمال في شركة Solvay Chemical
كتب العديد من المنشورات التاريخية ولديه عين استثنائية للأحجار الكريمة التي تم تجاهلها في التاريخ.
يعيش في فيرفيلد، نيو جيرسي.