في القاهرة الجميلة، اختتمت قبل أيام أعمال المؤتمر العالمي السادس لدور وهيئات الإفتاء في العالم، والذي دارت مواضيعه حول «مؤسسات الفتوى في العصر الرقمي.. تحديات التطوير وآليات التعاون»، بمشاركة علماء أكثر من 80 دولة، من مختلف دول العالم.

المؤتمر، الذي أشرف على نجاحه، العالم الجليل الشيخ شوقي علام، مفتي الديار المصرية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أزاح الستار عن عدد من المشروعات والمبادرات المهمة التي تثري الجانب الإفتائي في العالم، مع عرض لمجموعة من الخطط الطموحة، والمشروعات الواعدة، لكل ما من شأنه أن يحقق مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة، ويمنع نشر الأفكار الإرهابية المتطرفة، ويسهم في معالجة تحديات التطور التقني، والدخول بالمؤسسات الإفتائية لعصر الرقمنة، عبر دعم التحول الرقمي، وهو ما عبر عنه المفتي بقوله: «جائحة (كورونا) ألهمتنا فتح آفاق جديدة ومسارات متطورة في مجال الإفتاء، لكن بطريقة جديدة مبتكرة، ولفتت أنظارنا إلى أهمية تحول المؤسسات الإفتائية نحو التطوير والرقمنة.. لا سيما أن العصر الذي نحيا فيه الآن ذو طبيعة شديدة التغير والتعقيد والتطوير، خصوصاً في مجال الأفكار، الذي يؤثر تأثيراً كبيراً في مجريات الأحداث».

كل مهتم بالشأن الديني، مدرك لأهمية الإفتاء الجماعي في أزمنة الوباء، وأهمية توحيد الفتوى في مستجدات ونوازل أزمنة الأوبئة، وأهمية تبادل المعلومات المتخصصة وتأثيرها على الأحكام الفقهية لتحقيق مصالح البشر؛ وهذا يتطلب إقامة جسور التعاون بين المؤسسات الإفتائية، وأن تقوم المؤسسات المختلفة بتطوير العمل الإفتائى، بما يناسب عصر النهضة الرقمية اليوم، والعمل على مشروعات افتائية، ومبادرات مختلفة تدعمها، والسعي الجاد للاتفاق على آليات التعاون بين دور وهيئات الإفتاء في سبيل تحقيق الأهداف المشتركة..

من المفرح للقلب، الإعلان الذي تم في ختام المؤتمر، عن «وثيقة التعاون الإفتائي»، والإعلان عن الدليل المرجعي لمواجهة التطرف، والانحرافات الفقهية للمتطرفين، إلى جانب الإعلان عن الإصدارات والتطبيقات التكنولوجية المهمة، والتي كان من بينها «التأسلم السياسي»، و«معجم مصطلحات التطرف»، والمكتبة الإلكترونية للإنتاج الإفتائي، كذا الإعلان عن «المعلمة المصرية للعلوم الإفتائية»، التي تعد أكبر موسوعة علمية تجمع أركان العملية الإفتائية، وتدعم التطبيق الأمثل لها، وترصد المفاهيم الإفتائية المستخدمة في الفتوى قديمًا وحديثًا، وتستعرض أهم علوم الإفتاء اللازمة لتأهيل المفتين، والمهارات الإفتائية التي يجب أن يتمتع بها المتصدر للفتوى، وطرق صقلها وتنميتها، وكيفية إدارة العملية الإفتائية، وطريقة العمل المؤسسي، وتطبيق التميُّز المؤسسي في دور وهيئات الإفتاء..

أختم بأن مؤسسات الإفتاء في العالم مدعوة لمواكبة التطورات العميقة التي طرأت في عالم الفتوى، لا سيما مع انتشار استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، مع ضرورة التصدي القوي للمنصات الإلكترونية التي تبث أفكاراً مغلوطة تشوش على جوهر الدين الإسلامي الحنيف، كما أن عليها إصدار تشريعات تلزم بألا ‏يتصدر للفتوى إلا المتخصصون ‏والمؤهلون من العلماء، مع فرض ‏العقوبات الرادعة على المتطاولين على الفتيا، والمتصدرين لها من جماعات التطرف، أو الذين لم يتتلمذوا على أيد علماء متخصصين، كما ألمح إلى ذلك البند التاسع والعشرين من وثيقة مكة المكرمة، التي أصدرها مؤتمر رابطة العالم الإسلامي حول قيم الوسطية والاعتدال، الذي عقد، في العشر الأواخر من رمضان عام 1440، بجوار الكعبة المشرفة، برعاية كريمة من خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله ورعاه، ونصه: «لا يتحدث باسم الأمة إلا علماؤها الراسخون».