انتهيت قبل أيام من قراءة كتاب «مكتوب على الجبين» للكاتب المصري جلال أمين. هذه أول تجربة قرائية لي مع جلال، والحقيقة أنني ما زلت معجباً بجمال أسلوبه، ورؤيته للأمور في الحياة، وتحليله للناس وأشكالهم وأفكارهم، والدوافع التي تحركهم، وكيف استطاع أن يترجم هذه المشاعر و المواقف في كتابةٍ سلسة وبسيطة، وفي الوقت نفسه عميقة جداً.

وأنا أقرأ كتابه، كنت أقارن ما بين أسلوبه وأسلوب والده أحمد أمين، الذي قرأت كتابه «حياتي» قبل حوالي عام. ولاحظت أن الوالد والابن اتفقا على أن يكتبا مذكراتهما بعد وصولهما لشيخوختهما. هذا الأمر، مكّنهما من تقييمهما لحياتهما بشكل موضوعي. ولذا تجد أنهما ينظران للحياة «بما فيها موضوع السعادة» بمنظور واسع وشامل. ولاحظت كذلك أنهما يعرفان قدرهما ومنزلتهما التي صنعاها، وأيضاً يدركان قدراتهما التى منحهما الله إياها، ولذلك تستشف كقارئ أن حياتيهما كانتا سعيدتين وهانئتين. وإذا أضفنا لذلك؛ أنهما عاصرا أحداثا كبرى في بلدهما، وسافرا واختلطا بشعوب ومجتمعات أخرى «خصوصاً جلال» وأنهما كانا قارئين نهمين، ومطلعين على ما يسقط تحت أيديهما من كتب. فإني أميل في ظني كقارئ، إلى أن الرجلين يعتبران من الحكماء والبصيرين في الحياة وشؤونها وأوضاعها.

ومن أفضل ما قرأته في كتاب جلال، ما أعتبرهُ تحليلاً له عن حياة الرجل السعيد. حيث يصف أحد أصهاره الإنجليز، فيقول: «كان إدموند رجلاً فريداً من نوعه، كان أقرب من عرفت من الناس إلى الرجل السعيد. لم يكن شديد المرح أو كثير الكلام، ورغم أنه لم يكن راضيا عن نفسه تماماً، إلاَ أنه لم يطمح إلى شيء لا يستطيع تحقيقه. كان ذكياً، يفهم شؤون الحياة، ويفهم الناس المحيطين به، ويعرف حقيقة دوافع وتصرفات الناس. مع ثقة كافية بالنفس ليس بها مبالغة في التقدير. كما أنه يفضل تجنب المشاكل قدر المستطاع، والاستمتاع بما يمكن الاستمتاع به دون إثارة المشاكل الصغيرة. يضاف لذلك أنه مستعد بالتضحية برغبات بسيطة في سبيل الآخرين».

كتبت رأيي الشخصي في موضوع السعادة هنا في مقالة قديمة، وأستطيع تلخيصها بالتالي: أن الانسان إذا رغب في حياة يسعد ويستمتع بها، عليه أن يهتم بأربعة أمور: الأول: أن يحاول قدر المستطاع وبأسرع طريقة ممكنة، أن يستقل مادياً عن الناس والآخرين. ثانياً: أن يبتعد تماماً عن التدخل في حياة الناس، وألا ينشغل بمشاكلهم ومعاركهم، وأن يركز على نفسه وذاته، ومن هم تحت ولايته. الثالث: أن يخفف من ماديات الحياة وأشيائها، وخصوصاً تلك الأشياء التي ترتبط بها هموم متتابعة ومتوالية، مثل وجود أكثر من سكن، أو امتلاك سيارات أكثر من الحاجة..إلخ. الرابع: أن يضع الإنسان له أهدافاً شخصية، يعمل على تحقيقها وإنجازها في حياته.