أكاد أجزم بأنه لا يمر يوم على الكثير منا إلا ويواجه أو يتعرض لسلوكيات غير مقبولة أو خاطئة يمارسها بعض أفراد المجتمع في حق الآخرين، وتكون هذه السلوكيات أو المضايقات في كثير من الأوقات مقصودة، وقد يتعمد الذي يمارس هذه السلوكيات إلى افتعالها؛ لأنه لا يرى في ذلك أية مشكلة، ويردد عند انتقاده أو معاتبته ويقول: "الأمر هين ولا داعي لهذا كله" أو "خل عندك روح رياضية"، وهنا أقول عن هذه الفئة التي تتلذذ بمضايقة الآخرين، أو سلب حقوقهم والتعدي عليهم: إن الأمر ليس هينا كما تتصوره، وأنا على يقين بأنه لو حدث لبعض أفرادها ما يقومون به ضد الآخرين، لكانت ردت فعلهم قاسية، ولن يتحملوا سلوكيات الآخرين الخاطئة، أو السلبية، أو غير المقبولة. وإليكم بعض الأمثلة – وهي كثر - لهذه السلوكيات السلبية التي قد يمارسها البعض في كثير من ممارساته وأنشطته اليومية، وقد لا يرى أن فيها إزعاجا للآخرين، أو مصادرة لحقوقهم: المثال الأول نراه واضحا في مطاراتنا عندما يتم الإعلان عن موعد إقلاع أية رحلة طيران، ويكون هناك طابور لصعود الطائرة، ويعمد بعض الأشخاص الذين لا يحترمون النظام إلى الذهاب لمقدمة الصف أو الطابور والدخول فيه من دون مراعاة لشعور المنتظرين في الصف، وكأنهم لا يعترفون بالنظام ، وبعض أفراد هذه الفئة يتظاهر بأنه لم يعمل أي خطأ أو مخالفة، وهنا أتمنى على من يسلك هذا الأسلوب في مطاراتنا أن يضع نفسه افتراضيا في طابور الانتظار، ويتخيل أن هناك أفرادا يقومون بما يقوم به من مخالفات وسلوكيات، ثم يجيب عن الأسئلة التالية: هل يرى أن ذلك سلوكا خاطئا؟ وما شعوره نحو هذه الفئة؟ وكيف ينظر إليها؟ وكيف سيتعامل معها لو كان مسؤولا في قطاع الطيران وخدمة الركاب؟ وما نصيحته لأفرادها؟

المثال الآخر يمكن ملاحظته داخل الطائرة عندما تجد شخصا جالسا في المقعد المخصص لك الذي تم حجزه من فترة زمنية طويلة قبل موعد السفر، وعندما تبلغه بأن هذا مقعدك يقول "الأمر هين" والمقاعد كثيرة، وقد يستدعي الأمر استدعاء المضيف لنقله إلى مقعده الحقيقي، ويعمل ذلك على تأخير صعود الركاب، وقد لا يوافق على الانتقال فيؤخر الرحلة، وهذا التصرف المتعمد من السلوكيات الخاطئة التي يمارسها بعض الأفراد وتكون جزءا من شخصيته، ولا يمكن التخلص منها، وقد يكون لدى هذا الشخص مشكلة نفسية، ولا بد من التعامل مع هذه الشخصيات بأسلوب يتناسب معها؛ إذ إنها ـ من وجهة نظري ـ غير سوية نفسيا. المثال الآخر على هذه السلوكيات الخاطئة التي يمارسها كثير من الناس هو إعطاء أي موعد بوقت غير محدد، فيقول البعض سأقوم بزيارتك بعد صلاة العصر، أو بعد صلاة العشاء، وهذا الوقت قد يمتد إلى صلاة المغرب، أو إلى ما بعد منتصف الليل، وهذا دليل واضح على عدم احترام الوقت، أو الاهتمام بقيمته، فالوقت لدى هذه الفئة التي لا تحترم المواعيد ولا تلتزم بها لا قيمة له، وهذا على عكس ما يحث عليه ديننا الحنيف من ضرورة الاهتمام بالوقت والوفاء بالمواعيد، كما أن الوقت واحترامه من الجوانب المهمة التي نراها في المجتمعات الغربية، فتحديد الوقت مهم، والأهم هو احترام الموعد والالتزام بالوقت المحدد، ولذلك لا ينتظر الشخص في المجتمعات الغربية أكثر من عشر دقائق بعد الزمن المحدد، أما نحن في المجتمعات العربية فقد يمتد انتظارنا من بعد صلاة العشاء إلى آخر الليل، وهنا أرى أن يتم تحديد المواعيد بزمن معين ومحدد بدلا من أن تكون هذه المواعيد مفتوحة، وأن يكون هناك التزام بها، كما أنه في حالة عدم احترام مواعيد الاجتماعات التي في الغالب ما تُحدد بمكان وزمان معينين لا يتم الانتظار للمتأخر ؛ لأن ذلك بمثابة مكافأة له على التأخير.

ومع أن أغلب ما يقوم به البعض من سلوكيات خاطئة لا يمكن قبولها، أو الموافقة عليها، وما يقومون به من سلوكيات خاطئة ما هي إلا نتيجة لجهل بالمواقف، أو لتجاهلها، أو عدم المعرفة التامة بالنظام، أو عدم احترام النظام، أو عدم تطبيقه، وأن من يتعمد القيام بهذه المخالفات السلوكية لا ينظر إلا لنفسه، ولا يهتم بالآخرين، ولا يراعي شعورهم، أو مصالحهم، ولا يتوقع منهم الاعتذار في حالة مضايقتهم للآخرين، لا بد من إيقاف هؤلاء عند حدودهم بقوة النظام؛ لأنهم يعيشون بيننا وكأنهم فوق النظام، أو لديهم حصانة من تطبيق النظام، ولا بد من القول لهم بالصوت الجماعي بأنهم مخالفون للنظام، وعليهم مراعاة شعور وحقوق الآخرين، وتتم معاقبتهم حسب الأنظمة المحددة لذلك. وقد يقع البعض في سلوكيات خاطئة نتيجة لعدم معرفته بالأنظمة، أو للجهل بها، أو نتيجة لمعاناته من ظروف نفسية صعبة، أو غير ذلك من العوامل الأخرى، وهؤلاء قد نلتمس لهم العذر، ولكن يتم توعيتهم بالأسلوب المناسب لمواقفهم وتصرفاتهم.

أما ما يقوم به بعض الأفراد الواعين والمتعلمين من سلوكيات خاطئة، ولا يعترفون بأخطائهم، أو يتراجعون عن قراراتهم غير الصحيحة فإن ذلك يدل على ضعف، أو غياب ثقافة الاعتراف بالأخطاء أو العدول عن القرار، وهنا أرى أن هذه الفئة من صانعي القرار بحاجة إلى دورات تدريبية مكثفة في أساليب الإدارة والقيادة وصنع القرار. ولا أجد حرجا في الاعتراف بالخطأ، أو تصحيح مسار القرار غير المناسب، فقدماء العرب والمسلمين يعترفون بأخطائهم، ويعلنون اعتذاراتهم للآخرين، وينشرون ذلك في رسائلهم، وأشعارهم، ولنا فيهم قدوة حسنة.