تداول الناس خلال الأسبوع الماضي مفردة «الخلافة» كثيرا؛ وهي مفردة تعشقها الجماعات التي احترفت تسويق «دولة الخلافة»، و«أمير الجماعة»، و«الخليفة»، وغير ذلك من ألقاب و«ماركات»، لا تصب إلا في خانة تفريق المجتمعات، وشق عصا الطاعات، وإيهام الناس بأن المستحيل ممكن، أيا كان ذلك المستحيل، ومن هذا المستحيل، الذي يتعمد البعض إشاعته، أن يكون العالم دولة واحدة، بلا حدود جغرافية، وأن يجتمع الناس، في كل دول العالم، على قيادة واحدة، ولو كلف ذلك إراقة الدماء، أو قتل الأبرياء.

قارئ التاريخ يعرف أنه كان للمسلمين إمام أو خليفة واحد، في عصورهم الأولى، وحينها كانت دولتهم واحدة، ودول جيرانهم من الروم والفرس واحدة، وهذا النظام تجاوزته الأيام؛ فالعالم اليوم صار دولا، لكل دولة حدود، لا يمكن أن تتخطاها، ولا يمكن لغيرها أن يقترب منها، وصار لكل دولة حاكم يتولى شؤونها، واللغات اختلفت، والمسافات تباعدت، وما عاد ممكنا من أجل توحيدها إلا أن تنضم في اتحادات ومجالس، تخدم سياستها ومصالح شعوبها.

كما أن الناظر في التاريخ يعرف أن الخلافة التي كانت في الصدر الأول، ليست أمرا فرضته أو حتمته الآيات القرآنية الشريفة، ويعرف أيضا أن المصطفى- صلى الله عليه وسلم- ترك الدنيا، وفارقها للرفيق الأعلى، دون أن يحدد للناس شكلا معينا لنظام الحكم بعده، ولم يفرض عليهم أمرا ما، في هذا الخصوص، سوى «الشورى»، والشورى هنا تعني العدل والمساواة والحرية، وتعني أيضا إقامة رأس للدولة، يحقق للناس أمنهم وأمانهم، ويبلغهم الوصول لحقوقهم؛ وله عليهم طاعته، في كل ما يصدر عنه من قوانين وأوامر، لا تخالف الشرع؛ ومن دون ذلك لا يمكن أن تغلق أبواب الشر، ولا منافذ الأشرار.


أختم بوصفة علاجية، لمن ابتلي بغثاء الجماعات المختلفة، رواها الإمامان الجليلان، البخاري ومسلم؛ يصفها لنا الصحابي الجليل، سيدنا حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه، يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم، فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: نعم، قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك«؛ وهو حديث أعده من شرحه علما من أعلام النبوة، إذ كشف به - صلوات ربي وسلامه عليه - حال ما تعاني منه كثير من المجتمعات اليوم، والعاقل هو الذي يعتزل، ويبالغ في اعتزال «الدعاة إلى أبواب جهنم»؛ الذين يدعون إلى الضلالة، ويصدون من حولهم بأنواع مختلفة من التلبيس؛ ومن أجابهم «قذفوه فيها»، أي في «جهنم» الدنيا، قبل الآخرة، وما سلم من الوقوع في شباكهم، ولو أدى ذلك إلى «بيعه»، ولو بخسارة.