أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الدين النصيحة: وأنها لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وأخبرنا أن مما يرضاه الله لنا ماأشار إليه بقوله: «وأن تناصحوا من ولاّه الله أمركم»، والنصح ضد الغش، ونصح ولاة الأمور الذي أمر الله به ورسولُه يتضمن أموراً جاءت بها الأدلة الشرعية وهي:

1. اعتقاد البيعة له، فمن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، فمن النصح لولي الأمر: اعتقاد البيعة له، والالتزام باستحقاقاتها الشرعية، والأدلة على ذلك كثيرة معلومة، ذكرها الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما.

2. السمع والطاعة له بالمعروف، فإن لم يفعل فما هو بناصح، والأدلة على ذلك أيضا كثيرة ومعلومة.


3. إعانة ولاة الأمور على ما حُمِّلوا عليه، وعدم منازعتهم الأمر، أو الإثارة عليهم تصريحا أو تلميحا، وفي الحديث «وألا ننازع الأمر أهله».

4. عدم الخروج عليهم باللسان أو السنان، لأن الخروج عليهم هو مسلك الخوارج الحاقدين، وليس مسلك المؤمنين الناصحين.

5. تنبيههم وفق الطريقة الشرعية بما يراه صوابا، وليس له أن يُهيّج أو يُنابِذ إذا لم يؤخذ برأيه، لأنه قام بما عليه وانتهى دوره، وقد يكون ما يراه صوابا، عند التحقيق والنظر للموضوع من جميع جوانبه ليس صواباً، وحتى لو كان صوابا، فقد يرى ولي الأمر عدم تنفيذه لمصلحة أعلى، والأدلة على ذلك كثيرة، منها حديث «يا عائِشَةُ، لَوْلا أنَّ قَوْمَكِ حَديثُو عَهْدٍ بشِرْكٍ، لَهَدَمْتُ الكَعْبَةَ، فألْزَقْتُها بالأرْضِ، وجَعَلْتُ لها بابَيْنِ: بابًا شَرْقِيًّا، وبابًا غَرْبِيًّا» فبعض المصالح لايؤخذ بها لمصلحة أعلى، أو لدرء مفسدة أكبر، وتقدير هذا من اختصاص ولي الأمر، وليس هو بملزم أن يُخبر الناصح أو غيره بما يراه من موازنات، ولهذا أمرنا ب «عدم منازعة الأمر أهله».

6. الدعاء لهم بالصلاح والتوفيق، والحذر من غشهم بالتملق الكاذب، لأن الكذب والتملق، ينافي الصدق والنصح.

7. رد القلوب النافرة إليهم، وجمع الكلمة عليهم، وَنَشْر مَنَاقِبهمْ.

فالذي يتحدث عن النصوص الشرعية في مسألة «نصح ولي الأمر» عليه أن يدرك أن النصح يقتضي جميع ما ذُكر، لا أن يختزلها في أمر واحد، وهو التنبيه على ما يراه خطأ.

وها هنا أحب أن أتحدث عن الأمر السابع الذي ذكره العلماء وهو «رد القلوب النافرة إلى ولي الأمر»، فأقول: من علامة الناصح أن يتلطف بالرعية، ويحاورهم بالحكمة والبصيرة، وإذا كان لديهم شبهات من خلال ما يسمعونه في وسائل التواصل، وغيرها من وسائل الإعلام، فعليه أن يتلطف بهم، ويجيب عليها بالحجة والبرهان، وقد قال تعالى «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن»، وليحرص على هدايتهم إلى الخير، ولزوم جماعة المسلمين وإمامهم، وليس تنفيرهم، وقد قال الإمام عبدالرحمن بن فيصل، لما رأى بعض من يُنفِّر الناس عن ولي الأمر بمزايداته عليهم، قال في رسالة كتبها لابنه الملك عبدالعزيز رحمهما الله: «والرجال الذين يُعتَمد عليهم - الله يسلمك - ليسوا هؤلاء، بل هم الذين يُسخِّرون الناس لكم، ويحببون لكم الناس».23/محرم 1328.

فالناصح الموفق: يفرح برد القلوب النافرة إلى ولي الأمر، ويبذل جهده في النصح والبيان بعلم وعدل، ولا يزايد على الناس في تدينهم ووطنيتهم، ولا يتهمهم بالظن والهوى، ولا يرمي الفتيل هنا وهناك، لأن الاتهام بغير حق، والمزايدة على الناس، تتنافى مع النصوص الشرعية، الآمرة بجمع الناس على محبة ولي الأمر والالتفاف حوله، والآمرة كذلك بأن يحب المسلم لإخوانه المسلمين ما يحبه لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويتنافى كذلك مع النطام الأساسي للحكم، الذي نص على منع كل ما يؤدي إلى الفتنة والانقسام، ويفتت اللحمة الوطنية.