تذكرت اليوم وأنا أسترجع هذا الموقف قصيدة لإيميلي ديكنسون «أنا لا أحد! فمن أنت؟»، ونصها كما ترجمته عبير الفقي كالتالي:
أنا لا أحد، فمن أنت؟
هل أنت لا أحد أيضا؟
إذن ثمة اثنان منا !
لا تحكِ،
لأنهم كما تعلم سيذيعون الأمر !
يا له من أمر كئيب أن تكون معروفاً !
مشهور- مثل ضفدع -
تردد اسمك- طوال شهر يونيو -
على مسامع مستنقع مُعجب
في القصيدة، تقدم المتحدثة نفسها - ربما للقارئ - على أنها «لا أحد»، قبل أن تدرك بحماس أن المرسل إليه «لا أحد» أيضا، ومن المفارقات أن هذا يُلمح إلى وجود مجتمع من الــــ «لا أحد»، وهم أشخاص لا يُحدثون الكثير من الضوضاء حولهم، مثل ما يفعل بعض «الآحاد»، الذين يتوقون إلى الاهتمام والإعجاب. ما يجعل هذه القصيدة مؤثرة وقوية للغاية، هو حقيقة أنها تلقى صدى لدى جمهور اليوم، فمن الواضح للجميع كيف أن تبجيل وملاحقة المشاهير، يهيمن على جل مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة والإعلان أيضا، وبهذا أصبح التركيز على تنمية الشخصية العامة، وكأنه مطلب الحياة وقمة السعادة. فلا نستغرب إذن تولد ضغوط هائلة على الفرد، الذي يريد أن يصبح شخصا معروفا، كائن اجتماعي مثالي أو غير مثالي لا يهم، المهم أن يتمركز في الواجهة، خاصة عندما يكون شخصّا ذا غرور منتفخ، ويحتاج إلى إعجاب الجماهير ليشبع هذا الغرور؛ وبهذا يصبح شخصّا خاسرا، لماذا؟ لأن اندفاعه الشرس قد يجعله يتنازل عن الكثير من المبادئ والأخلاقيات في سبيل الشهرة.
والذي زاد الطين بِلَّة، خروج الكثير ممن يعتبرون أنفسهم «أحدا» بمجرد احتكاكهم بــ «أحد» من المشاهير، بمعنى مشهور بالاتصال، أن تكون «أحدا» لمجرد أن «أحدا» أجرى لك إعادة تغريدة أو علق عليها، أو أنه كان معك في المدرسة، أو ربما جلس إلى جوارك في المقهى.... وقس على هذا الكثير.أن يذكر ذلك في حديث فيه رسالة ما، أو ربط أو استشهاد يعتبر أمرا عاديا، ولكن أن يؤخذ على أنه شهادة مرور إلى الشهرة، ويعتبر صاحبه أنه بأهمية من ذكر، هنا الأمر المزعج، خاصة إن كان من الأشخاص الذين لا يسمحون لك بأن تنسى من كثرة ترديد الحدث، وحفره بالقوة في ذاكرتك حتى لا تنسى.
غالبية من وصل إلى الشهرة التي تستحق أن تذكر، ويعمل بها على أنها مثال يُحتذى به، لم يفكروا أصلا بها، جل وقتهم كان في العمل على بناء أنفسهم، وتقديم ما يستحق لمجتمعاتهم... للإنسانية... للحياة، لأنهم لو قضوا أوقاتهم في التفكير والعمل على ذلك، لما وصلوا من الأساس. والكثير منهم يتمنون لحظات الابتعاد والانزواء، في أماكن يستعيدون فيها ذواتهم وخصوصياتهم. المغزى هنا أن العمل هو الذي يتحدث وليس الشخص، وعندما يتحدثون يكون من أجل تقديم الشرح والتوضيح والنصائح؛ أي من أجل فائدة البقية، وليس من أجل مجدهم. قلة من أصابهم الغرور، بل كان الغرور سبب سقوطهم وخروجهم من دائرة الشهرة.
في النهاية لا نحتاج أن نكون «أحدا» كي نفتخر بذاتنا ونقدرها، ولا نحتاج إلى رؤية التقدير والإعجاب في أعين الغير لكي نقدر ما لدينا... من يريدنا سيأخذنا على ما نحن، على طبيعتنا دون زخرفات أو رتوش. فكل منا لديه من الإنجازات والكنوز من المعرفة والخبرات ما يفتخر بها، وليس مضطرا إلى أن يعلنها لكي يجلس إلى جانبه «أحد» ويتقبله. فمن يتواصل سيغتني ومن يتكبر سيضيع عليه فرصا كثيرة للغرف مما لدى الـــــ «لا أحد»!. وكونك «لا أحد» - حسب قصيدة إيميلي ديكنسون- يعني تجنب الخمس عشرة دقيقة من الشهرة، والحذر من التأثير السلبي للرأي العام، والتواضع وعدم الاعتماد على الجماهير لتقدير الذات.