الحديث عن التضليل والأكاذيب الصحوية والإخوانية المتعمدة، بغية إحراج المملكة العربية السعودية أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، يطول ولا ينتهي، والحديث عن هذه الأكاذيب يعيدني إلى ذكرى غزو القوات العراقية الغاشمة، لدولة الكويت في أغسطس 1990، حينما كانت الدولة وأجهزتها مشغولة بالقضايا، التي أحدثها الاجتياح الغادر، وحينما كانت تقاتل على عدة جبهات، إنسانية وسياسية وعسكرية واقتصادية، انبرى سفر الحوالي ليدشن التشغيب على قرار الدولة، وفتوى المؤسسة الدينية الرسمية، التي أجازت الاستعانة بالقوات الشقيقة والصديقة لرد العدوان العراقي، وكذلك ليقص الحوالي شريط بداية المعارضة «الخيانة» الصحوية للوطن والدولة، ثم توالت من بعده صيحات رفاق دربه الصحوي، للتحذير من الاحتلال الصليبي لبلاد الحرمين من قبل «قوات المارينز الأمريكية» كما كانوا يعبرون وقتها، وهذه الذكرى دومًا ما تحيلني إلى فكرة سوداء، لو أن الصحوة ورموزها لا يزالون على قوتهم، كيف سيكون عليه الأمر، ونحن نكافح الجائحة الأشد من كل ما حدث «كورونا» ؟!

وقد كان من حكمة القيادة السعودية، أن سبقت الأحداث بخطوات واسعة، في مسألة تجريم جماعة الإخوان المسلمين، وتصنيفها جماعة إرهابية، ثم اعتبار السرورية أشد خطرًا من جماعة الإخوان الإرهابية، وجاء هذا -الأخير- على لسان الرجل الثاني في الدولة، ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد ابن سلمان -أيده الله-، مع ما اتخذته الدولة السعودية من إجراءات داخلية وخارجية كبيرة ومهمة، لمحاصرة الإرهاب والتطرف، نوهت عن بعضها في مقالات سابقة، وكانت الإجراءات السياسية والأمنية، التي اتخذتها الدولة وكأنها تضع سدًا منيعًا أمام تكرار ما حدث من الصحويين في عام 1990، وما بعدها، من إثارة القلاقل والهلع في المجتمع، ناهيك عن نبش مضان السخط والحنق على الدولة، والضرب على إحباطات الناس ومخاوفهم، كما كانوا يفعلون بعد مواسم الحج مثلًا، وكانوا كذلك في الأزمات يفعلون، مهما كانت بسيطة أو عادية، وكأنهم يزرعون الأحقاد والكراهية في صدور أبناء الوطن على وطنهم، وهذا أسلوب ورثه القوم من الجماعة الأم «جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية».

وما درج عليه الصحويون في السعودية، هو اختلاق مجموعة من الأكاذيب، ليضللوا بها الناس، ويوهموا الأتباع أنهم على موقف الحق ثابتون، وغيرهم متغيرون متلونون، وهنا سأتحدث بإيجاز عن أشهر ثلاث أكاذيب روَّجها الصحويون، ومَن خلفَهم مِن أبواق الإسلام السياسي:


أولها: فرية دعم السعودية لجماعة الإخوان المسلمين، ولتفنيدها، لا بد أن نبدأ من عهد الملك المؤسس -طيب الله ثراه- والذي استقبل حسن البنا في الحج عدة مرات، ولم يكترث للرجل كثيرًا، بل توجس منه سوءًا، كما تروي الجماعة نفسها في تاريخها الرسمي المكتوب، ثم أعقب ذلك بسنوات ثورة الدستور في اليمن في فبراير عام 1948، والتي كان وراءها المصري عبد الحكيم عابدين صهر البنا، والمقرب منه في قيادة الجماعة، والجزائري الفضيل الورتلاني أحد القيادات التاريخية للجماعة، مما أغضب الملك عبد العزيز والملك فاروق على حدٍ سواء، وتوترت العلاقة أو انتهت بين السعودية وقيادة الجماعة من وقتها، ولا يوجد أي حدث أو وثيقة -أعرفها- تقول: إنَّ حكومة المملكة العربية السعودية تعاملت مع جماعة الإخوان المسلمين بشكل رسمي كجماعة، من تاريخ حظرها على يد النقراشي باشا في 8 ديسمبر 1948، والذي وصفته الجماعة حينها أنه قرار «خائن» من جهات «خائنة»، وحتى تم تصنيفها جماعة إرهابية في المملكة العربية السعودية -وهي أول دولة في العالم، تصنفها بهذا التصنيف وهذه الصيغة- في مارس 2014، وعلى الرغم من هذا فإن الأسطوانة المشروخة «السعودية دعمت جماعة الإخوان» ما زالت تدور في كل مناسبة، أو من دون مناسبة، وهذا عارٍ عن الصحة تمامًا، ولا يقول به إلا مغرض، أو مثقف لم يكلف نفسه عناء البحث والتحليل، والنظر في المعلومات ومصادرها، وطرق التضليل وصياغة الأكاذيب التي تمارسها الجماعة الإرهابية، ولدحض هذه الفرية، أقول:

أولًا: هل يعقل أن يقوم جلالة الملك سعود أو جلالة الملك فيصل -طيب الله ثراهما-، بمخالفة رؤية ورأي والدهما المؤسس العظيم الملك عبد العزيز-طيب الله ثراه- والعمل بعكسه، في التعامل مع الجماعة، هذا لا يعقل بحال!

ثانيًا: حينما استضافت السعودية الأفراد المنتسبين للجماعة الفارين بحياتهم وأهلهم، من بطش بعض الأنظمة العربية وقتها، تعاملت معهم واستقبلتهم كإخوة في الإسلام والعروبة، لهم ما للمواطن السعودي وعليهم ما على المواطن السعودي، وفق اشتراطات دقيقة، أهمها أن الجهات الأمنية ستتعامل مع الفرد كعضو تنظيم لجماعة إسلامية، وهو بدوره يتعامل مع المجتمع والبيئة التي يعيش فيها كفرد عادي، لا يسمح له بأي نشاط ضد أي دولة أخرى مهما كان الأمر، كما أنه لا يسمح له بممارسة تجنيد السعوديين أو غيرهم، وكان من نتاج هذا التعامل الذكي حماية الدولة من أي إحراجات مع بلدان هؤلاء الأفراد، ولذلك غادر الكثير منهم السعودية ولم يستطع المكث فيها، لحرمانه من العمل السياسي ضد بلده، وهنا أيضًا أقول: أتحدى أن يأتي أي أحد بأي تعدٍ ولو غير مباشر خرج من السعودية بمباركة قيادتها ضد أي بلد آخر، من قبل الإخوان أو غيرهم، على الرغم من الهجوم الشرس على السعودية من ذات البلدان التي حمتها السعودية من ألسنة أبنائها الفارين لديها.

ثالثًا: السعودية لم تؤِ أي مطلوب إخواني من سلطات الأمن في بلده، على الرغم من استضافة ذات البلدان لمطلوبين سعوديين، بل ووفرت لهم منابر للإساءة للسعودية.

السعودية وثقت بهؤلاء الأفراد لا جماعتهم، ومكنت لهم تحصيل لقمة العيش بكرامة، هم وأبناؤهم، غير أنهم غدروا وخانوا، كما صرح بذلك صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز -طيب الله ثراه- في لقاء صحفي -يعتبر وثيقة مهمة- مع صحيفة السياسة الكويتية في نوفمبر عام 2002، وكان أبرز ما جاء فيه قوله: «... إخواننا في الدول العربية الأخرى -أي دولهم- قبلوا بالوضع وقالوا إنه لا يجب أن يتحركوا من المملكة»، وكذلك قوله -طيب الله ثراه-:«إذا كانوا يريدون أن يقولوا شيئًا عندهم لا بأس ليقولوه في الخارج، وليس في البلد الذي أكرمهم»، وللحديث عن بقية الكذبات صلة.