تبدأ المشاريع الكبرى.. بحلم صغير، يبدأ من ومضة تلمع وتزداد فتكبر فتصير هاجساً مسالماً ومحايداً، ثم ينمو هذا الحلم ليصبح هاجساً مقلقاً لذوي الإرادات الكبرى والتطلعات الاستشرافية التي تبدأ من طموح عسير المنال إلى أن تتمكن هذه العقول الطموحة من تطويع وتفتيت المستحيل والعسير واستصغاره وجعله في متناول المقدرة.

نهضة الأمم إنما تنطلق من التطلع إلى نفسك والتعرف على نواقصك والبحث عن إكمالها بما يتميز لدى الغير.

ومشكلة العرب والمسلمين الذين صاروا على هامش الدول المتقدمة وفي ركاب الدول المتخلفة هي تعلقهم بالتاريخ والنوم على وسادة الأمجاد الغابرة، كلما عنّ لهم رفع المعنويات التفتوا إلى السابق، الماحق، ولا يفكرون في القادم اللاحق، ذلك أنهم يشعرون بعجزهم الآني أمام الدول التي أخذت بناصية الحضارة والتقدم، فصاروا يثأرون لعجزهم بالعودة إلى مئات من السنين ينقبون فيها عن الخوارزمي وابن حيان والرازي وابن النفيس والجزري والزهراوي وغيرهم من جهابذة الرواد الذين وضعوا البنية الأساسية لعلوم الرياضيات والكيمياء والهندسة والطب والتي بنى عليها من استلم الشعلة من الشعوب المتقدمة وصار لهم قصب السبق والريادة والقيادة في عالمنا اليوم.

قبل يومين كنت ضمن فريق من الزملاء مدعوين لزيارة جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) في ثول، وكنت أعلم حجم وقيمة هذه الجامعة منذ أن بدأت فكرة مضيئة قبل ثلاثين عاماً في ذهن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وحتى صارت واقعاً ملموساً.

لكن المعاينة بلا شك أبلغ من السماع، وهذا ما جعلني وجميع الزملاء ننبهر بفرح غامر ونحن نجول بين أروقة الجامعة ومعاملها ومتحفها ومكتبتها ومختبراتها النوعية المتفوقة.

لقد شعرت - كمواطن - بحالة من الفخر والتأثر وأنا أستمع إلى تلخيص الفكرة من الألف إلى الياء، من نائب الرئيس التنفيذي نظمي النصر، الذي يمثل أنموذجاً مشرفاً للمواطن المؤهل والمخلص والذي يقود فريقاً عالمياً من الخبراء والباحثين يقدمون عصارة جهدهم فيما يخدم غذاء الإنسان ومشربه وطاقته وبيئته.

تنهض الأمم عادة من خلال عبقرية الطموح، وقد قيض الله لهذه الأمة قائداً مثل الملك عبدالله، الذي دفعته غيرته على وطنه وأمته العربية والإسلامية أن نبقى في عصرنا الحديث مجرد أمة مستهلكة، وتابعة، ومنقادة فيما هو يريد لها أن تكون أمة منتجة وقائدة ومتبوعة وأن تسهم في دعم النهضة العلمية، تتشارك في ذلك مع أصدقائها من كل دول وأجناس العالم، فليس للعلم هوية ولا ملة، فهو كالهواء حق مشاع للجميع، والعلم هو المحايد الأكبر الذي لا ينحاز للأيدولوجيا وإنما ينصاع للتجربة المتجردة والنتيجة المثبتة بالبرهنة.

إن ما تحقق خلال فترة وجيزة وقياسية في عمر الزمن يكاد يلامس دائرة الأساطير، فمنذ أواخر 2006 وحتى الآن تم إنشاء مدينة من العدم وشيء من اللاشيء، وكيان من الصفر، في ظرف ست سنوات فقط قامت المدينة الجامعية البحثية بمرافقها ومعاملها ومختبراتها وحدائقها وملاعبها ومطاعمها ومساكنها وجوامعها إلى جوار قرية ثول القديمة، مدينة عصرية زاهية نظيفة جميلة تتميز بنظافتها وهدوئها وبيئتها الخضراء وسواحلها الجميلة، ويسكنها حشد من العلماء النوابغ يتولون تدريب وتعليم حشد من صفوة الطلاب الدارسين المتميزين الذين تم انتقاؤهم وفرزهم على نحو دقيق من أبرز جامعات العالم ليلتقوا جميعاً تحت سقف هذه المدينة البكر، يجرون أبحاثهم فيما يخدم البشرية كلها في كثير من أولى اهتماماتها.

أكثر من 750 طالبا يدرسون الماجستير والدكتوراه، جاءوا يمثلون أكثر من 60 جنسية، يمكنك اعتبارهم مشاريع لعلماء فوق العادة. لقد أذهلني تحول الحلم إلى حقيقة، وأذهلني سرعة هذا التحول في هذا الزمن القياسي، وأذهلني أكثر جودة وإتقان هذا التحول، طفنا دهاليز وأروقة (كاوست) ثم تناولنا طعام الغداء مع المهندس الرائع نظمي النصر وجمع من الأساتذة، وسط حديث تتخلله الأسئلة والإجابات ويغمره الحماس والفخر والفرح.

المفارقة أننا عندما هممنا بمغادرة جامعة (كاوست) ومرافقها العصرية الحديثة، كدت أبحث عن جواز سفري لأتلقى ختم الخروج، لولا أنني تداركت نفسي وتذكرت أنني رغم الانبهار فإنني داخل الوطن، وعلمت أن الإرادة والعزيمة والإخلاص وحسن اختيار الفريق الذي يتولى العمل دون أي مطامع انتهازية، ودون فساد ينخر أهداف المشروع فإن كل ذلك كفيل بصناعة (الحلم) وتجسيده واقعاً بمثل حلم الملك عبدالله بن عبدالعزيز ـ يحفظه الله ـ الذي رأيته واقعاً في جامعة كاوست في ثول.