يظل التصور الذي يصل إليه الفرد في عملية الإدراك رأياً شخصياً يمثله وحده، مثلما أنّ هناك آراء أخرى يمثلها أصحابها وإن كانت المشكلة المحورية بين الجميع قضية واحدة. إلا أن إيضاح الأفراد لآرائهم وردود أفعالهم تجاه قضية معينة - من خلال المناقشات والحوارات - يكوّن اتجاهات في الرأي العام، ولا سيما حين ترتفع حدة التداولات، والاتصال الشخصي فتتأثر آراء الأفراد ببعضها لتكون القضية المتداولة قضية رأي عام.
اعتمد تكوين الرأي العام سابقاً على وسائل الاتصال الجماهيري، إلا أن وجود وسائل الإعلام الإلكترونية حالياً قد دفع بقضايا الرأي العام وسمح لها أن تأخذ مساحة أوسع من الانتشار والاتصال والتفاعل، وربما تعتبر مواقع التواصل الاجتماعي ذات السرعة والكثافة الاتصالية اليوم أهم قناة لتكوين الرأي العام في العالم، بدءاً من ثورات "الربيع العربي" وليس الأمر انتهاء بالقضايا الاجتماعية المحلية المثارة في "تويتر" و"فيسبوك" وغيرهما.
لكن صياغة الرأي العام اليوم تخضع لمعايير اجتماعية وسياسية وشخصية أحياناً، ففي الوقت الذي كانت فيه قوى سياسية وفكرية وحقوقية تحاول تشكيل رأي عام محلي أو إقليمي أو دولي حول قضية معينة، كالديموقراطية وحقوق الإنسان مثلاً، فإن الوسيلة هي مخاطبة الناس وفق مضامين إعلامية يفهمونها من وسائل الإعلام والاتصال خصوصاً، إلا أننا نجد أن الأمر تغير اليوم بفعل تكنولوجيات الإعلام والاتصال الجديدة ليصبح بإمكان كل فرد أن يسهم في صياغة الرأي العام بدعم أو إثارة قضية محددة وتبنيها.
ومهما يكن الأمر، فإن القضايا التي تثار كرأي عام، كتلك المنبثقة من مبادئ إنسانية كبرى كالحرية والعدالة والمساواة والمواطنة، تسهم في الدفع بعجلة التنمية البشرية وتقود المجتمع إلى الإيجابية والإنتاج، وعادة ما يتبناها قادة الرأي العام سواء مثقفون، أو أدباء، أو سياسيون، أو رجال دين، أو إعلاميون أو غيرهم.
إلا أن ما يُلاحظ على المجتمعات العربية هو عدم تكون الرأي العام على أسس علمية ومنهجية، حيث إن ما يغري الكثير من الأفراد بالدخول بقضايا الرأي العام في المجتمعات العربية هو مجرد الاستمتاع في القيام بدور، ولو كان هذا الدور أشبه بمصارعة طواحين الهواء عند (دون كيشوت).
ولو لاحظنا مواقع التواصل الاجتماعي لرأينا أهمية قصوى لدى كثيرين لتبني (العنف الفكري) لمنع تكوين رأي عام واضح حول قضية واضحة، فتندرج تحت كثير من مبادرات الصراع الملتهبة دعوات لتمييع جوهر القضية بأسلوب الشتم والقذف والتشويه، لتضيع الحوارات الجادة أو العلمية في تلك العاصفة، مما يذكّر بمعارك العرب التافهة في الجاهلية.. تستمر لعقود طويلة بلا سبب منطقي سوى (الفراغ) الذي يتجسد على شكل رغبة في الانتصار وتكوين الجماهيرية والمجد، ولو كان ذلك بتدمير الطرف المقابل ثم الموت بعد ذلك مباشرة.
لا بد للرأي من تداول كاف حتى يتم تشكل اتجاهاته، إلا أن ما يؤدي إلى عدم وضوح الرؤية عند الدخول في قضايا الرأي العام هي تلك الوثوقية والأحكام المسبقة التي تعتبر نسقاً ثقافياً قديماً في ثقافتنا العربية، وما زالت، ولذلك يطغى على معظم قضايانا الاجتماعية مبدأ "تدعيم الاتجاهات" عبر وسائل الاتصال الحديثة من أجل منع حدوث التحول في الرأي. إلا أن للعادات والتقاليد وغيرها من عناصر الثقافة دورا بارزا في تثبيت الرأي العام، بل إن توجهات الرأي تشير إلى عدم التثبت من الحقيقة والبحث عنها، والاكتفاء بما يقوله (س) من الناس باعتبار رأيه حقيقة كاملة، وهنا تستفيد بعض الاتجاهات الفكرية من ذلك بمحاولة توجيه ضربة قاضية للاتجاهات الفكرية الأخرى، وقد أتاحت تقنية الإعلام الجديد فرص التعبير من جهة وتكوين الرأي العام من جهة أخرى، ولكن بمواصفات سلبية تتمثل بمعارك وصراعات الماضي؛ حتى أصبح من السهولة بمكان أن تبدأ محاولة صياغة الرأي العام بتغريدة تحوي فقط 140 حرفاً، لكنها تتحول إلى رأي عام ليس خالياً من تصفية الحسابات، وهنا يكون هناك غياب فعلي للرأي العام الحقيقي والمؤثر الذي تشارك في صياغته مختلف فئات المجتمع من أجل التنمية والمستقبل للإنسان والوطن، ليصاب المجتمع بحالة غياب فعلي عن الوعي، ويدخل في الثرثرة ومضيعة الوقت وانحدار إلى الانقسام.