ولعل من أبرز مفتريات الصحويين عن المملكة، هي فرية رميها لأبنائها في جبهات القتال في أفغانستان، وتسهيل ذلك بدعم التذاكر، وتقديم الأموال للراغبين في الذهاب لجبهات الفتن والتكفير والقتل، وهذا القتال أو حرب السنوات العشر التي امتدت من 1979 وحتى 1989، إثر القتال بين فصائل المقاتلين الأفغان من جهة، وحكومة أفغانستان بمساندة الاتحاد السوفيتي قبل تفككه من جهة أخرى.
وتعد هذه الفرية ثاني أكبر سوق لعب به الصحويون، بعد سوق كذبة دعم المملكة لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، والتي تحدثنا عنها في المقال السابق.
ولتفنيد هذه الفرية القبيحة نقول: إن السعودية لم ترسل في يوم من الأيام أيًا من أبناء شعبها، للقتال تحت راية أخرى غير رايتها، وكيف لبلد عظيم ومؤثر إقليميا، أن يتعامل مع مثل هذه الحرب المعقدة، بذهنية الفصائل كما يعبر الأستاذ طارق الحميّد في مقاله: «الدولة دولة، والفصائل فصائل»، بل إن القول الصواب في هذا الأمر هو إن جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، هي من أحرقت الشباب العربي والأفغاني معا، في أتون هذه الحرب التي لم يخسر فيها سوى الشعب الأفغاني المغلوب على أمره.
وحتى نضع النقاط على الحروف، لا بد أن نتساءل عمن أشعل الفتيل وحرك فكرة تدخل الاتحاد السوفييتي في أفغانستان ابتداءً، وهو ما لا يتم الحديث عنه، وذلك لتغطية حقيقة أن جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، وراء كل كارثة يمكن أن تحل بالشعوب المسلمة، بسبب تعطشها المدمر للسلطة والحكم، والسبب باختصار هو المحاولة الانقلابية الفاشلة لجماعة الإخوان المسلمين في أفغانستان «حكمتيار ورباني وأحمد شاه مسعود وهو تابع لرباني» عام 1975 على محمد داود الذي أعلن الجمهورية الأفغانية الديمقراطية عام 1973، وبعد إزاحة حكومة محمد داوود، وإعدامه في أبريل 1978، تولى نور محمد تراقي الحكم، وفي غضون أشهر قليلة بدأت الاضطرابات والثورة على تراقي، والذي قتل في سبتمبر 1979، وتولى بعده حفظ الله أمين، وقبل هذا كانت أفغانستان قد وقعت مع موسكو في ديسمبر 1978 معاهدة صداقة وتعاون ثنائية، تسمح بالتدخل السوفييتي في حال طلب أفغانستان ذلك، وفي هذه الأثناء بدأت ضربات موجهة من قبل المقاتلين الإخوان، في المناطق الجبلية للجيش الأفغاني، إلى درجة أن حكومة حفظ الله أمين توجهت إلى الاتحاد السوفييتي، بطلب زيادة حجم الدعم لها، وبعد قصة طويلة ومعقدة ومتشعبة، قتل فيها حفظ الله أمين نفسه، حدث التدخل السوفيتي بناء على تلك المعاهدة، ومن هنا نرى جناية الجماعة الإرهابية على الأفغان وبلاد الأفغان.
قدر السعودية أنها واجهة ووجهة للعالم الإسلامي، فكان لزاما عليها دعم وتبني كل القضايا الإسلامية، وهو ما درجت عليه من عهد المؤسس العظيم -طيب الله ثراه-، وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، فكان الدعم السعودي السياسي القوي، والذي حمل لواء مناصرة القضية الأفغانية في المحافل الدولية، على النقيض من دول عربية أخرى رفضت حتى مجرد التنديد بالتدخل السوفييتي، مؤثرةً مصالحها مع السوفييت على دعم أفغانستان.
نعم، أقولها وبكل فخر، المملكة العربية السعودية دعمت القضية الأفغانية، وسمحت لأبنائها الراغبين في المساهمة الإنسانية والإغاثية، وسهلت لهم الأمر، ولكن الذي حدث هناك، وفي بيشاور تحديدا، أن قامت فئات الضلال السياسي والإرهابي، باجتذابهم إلى جبهات القتال، وعلى الرغم من امتلاء المعسكرات بالتكفير الصريح العلني للحكام والدول، بما فيهم دولتنا -أعزها الله- إلا أن ذلك لم يثنِ أولئك الثلة القليلة من السعوديين عن الاستمرار في القتال، وموالاة هؤلاء التكفيريين ضد وطنهم، وعلى الرغم من أن صحويي السعودية، لم يكونوا على حماسة لبعث الشباب إلى ساحات القتال الأفغانية، بعكس جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، والجماعات التكفيرية، إلا أنهم ظلوا يكررون مسألة أن السعودية دعمت الجهاد الأفغاني والفصائل التكفيرية هناك، بغية إحراج السعودية بأي شكل.
ومن باب الاستطراد: كان عبدالله عزام، يطوف البلدان في عرضها وطولها، يدعو الناس للمشاركة في الجهاد الأفغاني، سواء بالمال أو بالنفس، وجاء عزام إلى مكة في عام «1987» وحصل نقاش حاد أمام مئات الحضور، بين سفر الحوالي وعزام في إحدى المناسبات الخاصة، احتفاء بعزام في مكة المكرمة، وكان النقاش يدور حول رأي سفر الحوالي في مسألة تجنيد الشباب في أفغانستان، والذي كان يدعو إلى عدم التعجل ورمي شباب الدعوة، فريسة لتناحر القوى الكبرى، وعلينا ألا نضع البيض كله في سلة واحدة، فالوقت لم يحن بعد، وأن الأفغان حتى لو استطاعوا إخراج الروس، فإن أفغانستان ما بعد خروج الروس ستحرص القوى الإقليمية والدولية، على جعلها بلدًا علمانياً صرفًا. وكان هذا الحدث من أبرز ما أشهر اسم سفر الحوالي لدى الحركيين، وبعدها تبنى الصحويون هذا الرأي، وللحديث بقية.