كان رجالات الدولة وقياداتها وقتها يعملون بكل جهد وتفانٍ لمراقبة أي شرخ يمكن أن يحدث في نسيج المجتمع، بسبب مراهقات الصحوة ورموزها، من بواكير أزمة الخليج وحتى عام 1994، وكان لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز (أمير منطقة الرياض آنذاك) دور بارز ومهم، للعبور بالمجتمع والنجاة من هذا العبث والضلال المبين، بتوجيه القيادة وقتها، وهذا الدور في هذا الملف لم يدون بالشكل المطلوب لأننا قوم لا ندون تاريخنا الاجتماعي القريب كما ينبغي، ولا أجد أبلغ من وصف (صمام أمان) لشرح هذا الدور العظيم له في تلك الفترة، والذي اتكأ فيه على ثقله الاجتماعي العميق، وخصوصية علاقاته مع كافة أطياف المجتمع السعودي بلا استثناء، ناهيك عن جلوسه المتكرر لهؤلاء الثلة، ومن عاونهم أو تعاطف معهم للاستماع وفهم وجهة النظر بدقة، والمناقشة والحوار، ونقلها بأمانة للقيادة، وتقديم كافة الحلول الممكنة، وامتد دوره إلى توعية كبار العلماء بخطر هذه الشرذمة، ولهذا حديث يسر الله نشره. وعودة على كلمة الملك فهد حول الصحوة، وثنائه المزعوم عليها، وهما في الحقيقة كلمتان بينهما عشر سنوات، فحوى الكلمة الأولى ومعناها هو ذاته فحوى ومعنى الكلمة الثانية، لكن مفهوم الصحوة وحمولة المصطلح في زمان الكلمة الأولى اختلف عنه في زمان الكلمة الثانية، ولبيان هذا الأمر لا بد من العودة إلى بدايات العقد الأكثر أهمية في التاريخ السياسي العربي عقد الستينيات، إذ جرى حدث مهم وهو إقامة المؤتمر الإسلامي الأول في مكة المكرمة عام 1962، وأُعلن من خلاله إنشاء رابطة العالم الإسلامي، التي دعت لاحقا لفكرة التضامن الإسلامي، الفكرة التي انطلقت بسرعة كبيرة بعد عام النكسة 1967، والذي نتج عنه تهاوي النظرية القومية والثورية بشكل عام في العالم العربي، مما فتح مجالًا لانطلاق «صحوة» إسلامية بمقدار معين، وبالمفهوم اللغوي لكلمة «صحوة»، ثم نجحت جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية في ركوب هذا التوجه وتوظيفه في سبيل مشروعهم الأممي لعودة الخلافة الإسلامية تحت رايتهم وقيادتهم، وتمت تعبئة مفهوم «الصحوة» وإثقاله بحمولة سياسية وحركية، بلوره كل من يوسف القرضاوي كمسمى ومفهوم عام، والعراقي محمد أحمد الراشد كمفهوم حركي، لتشير «الصحوة» إلى حراك الإسلام السياسي في البلاد العربية والإسلامية، وحتى في بعض البلدان الغربية، غير أن السرورية السعودية في بداية منشئها الفعلي، استطاعت اختطاف المصطلح الذي أصبح ذا حمولة سياسية وحركية، بعد أن دشنه القرضاوي نظريًا من خلال مقالتين نشرهما في مجلة «الأمة القطرية»، في العددَين التاسع والعاشر الصادرين في رمضان وشوال 1401، على التوالي.
ومن المسائل المهمة التي تقع في مركز النقاط العمياء في تاريخ السرورية والصحوة في السعودية، أن ثمة خلافا عريضا حدث في منتصف الثمانينيات بين محمد سرور، وتلاميذه في السعودية، حول التسمية والتنظيم بعد الانشقاق الفعلي عن جسد التنظيم الإخواني في السعودية، في قصة ليس هذا موضع بيانها، وكان من نتاج هذه الخلاف أن اختارت السرورية (اللااسم، واللاتنظيم) عكس رأي سرور، مما أدى إلى قطيعة بين سرور وتلاميذه في السعودية إلى درجة العداء، بسبب حدة سرور، وعناد السروريين السعوديين، ولم يلتم الشمل إلا في أزمة الخليج 1990، في وقائع معروفة للمتابع، وفي هذه الأثناء- منتصف الثمانينيات- تنامى الحراك الإسلاموي في المجتمع السعودي، فتم امتطاء مصطلح «الصحوة» للتعبير عن هذا الحراك تجميلًا وتحسينًا لهذا التوجه القبيح في نظر المجتمع.
أما كلمتا الملك فهد حول الثناء على «الصحوة»، فالأولى كانت في عام 1981، أثناء اجتماع قادة العالم الإسلامي في المسجد الحرام، حينما أكمل الأمير فهد وقتها كلمة جلالة الملك خالد بن عبدالعزيز- طيب الله ثراه- وجاء الثناء المقصود في السياق العام لعودة الروح الإسلامية في عموم العالم الإسلامي، ولا يقصد به بأي وجه من الوجوه «الصحوة السرورية أو الإخوانية»، لأنه باختصار قبلها بنصف عقد على الأقل، أما الكلمة الثانية التي قالها في عام 1991، بعد انتهاء حرب الخليج، فقد أثنى على الصحوة في ذات السياق العام للمفهوم اللغوي للصحوة أيضًا، إذ تحدث عن فترة ضعف الإسلام في ظل وجود المستعمر في البلدان الإسلامية، فهل يستقيم أن يكون مقصده صحوة الثمانينيات والتسعينيات؟!
ومن هنا قلتُ آنفًا إن معنى كلام المغفور له الملك فهد هو ذاته في كلتا الكلمتين رغم عشر السنوات بينهما، ولكن الصحوة تطور معناها واختلف خلال هذا الزمن، وتطوره حدث في الأقبية والسراديب السرية لجماعات الإسلام السياسي، لتنتقل «الصحوة» من معنى لغوي، إلى مفهوم سياسي وحركي.
وحتى نضع الأمور في نصابها الصحيح، سيذكر التاريخ كم كان التعامل الأمني والسياسي السعودي مع الصحويين وتشغيباتهم حازما وصارما حينما وجدت الدولة السعودية أنه لا مفر من إطفاء فتنة «الصحوة» الملتهبة، بالمنع من الاحتكاك المباشر مع المجتمع عبر التعليم والمساجد ووسائل النشر الإعلامي المختلفة، ثم لم تتردد الدولة بعد ذلك بإيقافهم درءا لسوئهم وشرهم، كل هذا حدث في عهد الملك فهد، فهل سيقول مدرك بعد هذا، إنه يقصد بثنائه على الصحوة، صحوة الإسلام السياسي سرورية وإخوانية؟!
أخيراً، «الصحوة» الحقيقية هي ما تقوم به المملكة اليوم من التقدم - «لا العودة» - إلى الإسلام عبر رؤية المملكة 2030.