حدث أنه في عام ليس ببعيد فكر رجل في بريطانيا أن يمرر كذبة أبريل على شكل صورة من ابتكاره لــ«جنية محنطة»، وبعد دخول 20 ألف زائر لموقعه في يوم واحد، كشف الحقيقة، إلا أن المفاجأة كانت أن كثيرين اتهموه بالتستر على الحقيقة وأصروا بشدة على أن الجنية كانت حقيقة!، معلومة ساذجة وسخيفة، ولكن بمجرد دخولها عالم الجماهير أخذت حياة خاصة بها وأصبحت غير قابلة للتراجع أو التصحيح! إن كل هذا الطوفان من المعلومات، أصبح بحد ذاته عبئا ثقيلا على عاتق الفرد لفرز الحقيقة من الخيال، قد يكون لمحدودية الوقت والخلفية المعرفية؛ فليس كلنا عالم في جميع المجالات، رغم أن البعض يحب أن يظهر كذلك، وقد يكون لقلة الاهتمام أو الدافعية لفهم الموضوعات المعقدة مثل نتائج الدراسات أو التحليلات السياسية وتطوراتها، ولهذا يتم تقبل الأسهل والأوضح وينطلق الفرد ليبني على كل ذلك قرارات قد تكون خطرة عليه وعلى مجتمعه! وهنا المعضلة الحقيقية؛ فبمجرد تشكيل المعتقدات غير الدقيقة، يصبح من الصعب القضاء عليها! لماذا؟ لأنه في الكثير من الأحيان حتى بعد ظهور المعلومات الحقيقية أو التصحيحات والتي تكون ذات مصداقية عالية، تستمر المعلومات الخاطئة في التأثير على تفكير هؤلاء الناس؛ أي أن التأثير المضلل يستمر!
عادة تحرص وسائل الإعلام «الرسمية» مثل الصحف والتلفاز على ضمان صحة المعلومات، ولكن ماذا عن «أبو العريف» وضعاف النفوس أمثاله، الذين أعجبتهم قبعة الصحفي ودخلوا الميدان دون أن يكون لهم أي من قواعد النزاهة الصحفية يلتزمون بها؟! وهنا ظهرت أهمية الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي بالنسبة لهؤلاء، حيث أثبتت بأنها أرضية خصبة مثالية لنشر المعلومات المضللة، فدخلوها وحولوها إلى ملاعب يرتعون فيها، بل جعلوا منها وسيلة يكسبون منها لقمة العيش! لماذا ينجحون؟ أو لماذا نسقط نحن تحت براثينهم؟ لأن التعليم التلقيني أنتج عقولا لا تناقش ولا تحلل ولا تسأل ولا حتى تمنطق الكلام، بل تستسلم للمرسل، وبهذا تم تسليمهم إلى وسائل التواصل وعالم الإنترنت بعقول غير محصنة لا تمتلك قوة المناقشة المنطقية ولا قوة التحدي للفكر حتى ولو كان مجرد صورة عابرة! بتنا عرضة للتضليل لأنه لدينا كسل معرفي؛ نفضل استخدام أبسط وأسهل الطرق لحل المشكلات عن تلك التي تتطلب مزيدا من التفكير والجهد؛ بمعنى أننا تطورنا لاستخدام أقل جهد عقلي ممكن؛ استقبال فقط، فنحن لا نريد أن نفكر مليًّا في كل شيء؛ أي لا نريد أن نفكر بشكل كافٍ في الأشياء عندما نحتاج إلى ذلك مثل عند التفكير فيما إذا كان ما يعرض علينا عبر الإنترنت؛ خاصة وسائل التواصل الاجتماعي، صحيحًا أم أنه مفبرك!
ما يحدث اليوم في مدارسنا بعد إدخال مادة التفكير الناقد هو لحماية الجيل الصاعد، فهذه المادة تقوم بتدريسهم طرق تحديد المعلومات الخاطئة جنبًا إلى جنب مع مهارات التفكير الناقد والمنطق. ومن خلال بحثي عن طرق تدريس هذه المادة في الغرب وجدت في إحدى الدروس عرضًا تفاعليًّا لعشرة أسئلة لكشف الأخبار المزيفة، يتدرب عليها الطالب ضمن برنامج «محو الأمية الإعلامية» والذي تم بناؤه من قبل مختصين في مجالات عدة، حتى يتمكن فيما بعد من تحديد أماكن الخلل إن وجدت والتأكد من المعلومة، إضافةً إلى تعزيز الوعي لديه بتأثير وسائل الإعلام، وخلق لديه موقف نشط ومسؤول تجاه كل من استهلاك وسائل الإعلام أو خلقها (بناءها)، ورسالتنا إلى الجميع: «عندما تبحر في عالم الإنترنت، كن حريصا وأبحث وتأكد؛ وتذكر بأنه من السهل استنساخ موقع موجود على الشبكة أو إنشاء تغريدات مزيفة لخداع الناس، خاصة أن الروبوتات نشطة للغاية عليها وهي مصممة للسيطرة على المحادثات ونشر الدعاية بأنواعها أو خلق البلبلة وشق الصف، وأعلم أنه غالبا ما تستخدم الأخبار الزائفة والمعلومات المفبركة صور حقيقية من حدث غير ذي صلة، ولهذا قبل أن تتفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي... توقف وفكر».